تحت القائمة

في الحسيمة .. ماتت الإنسانية أمام مرآة الهواتف

✍️ عماد بنهميج / صحفي

في مدينة الحسيمة، لم يحرق ذاك الشخص الذي أضرم فيه أحد المجرمين النار فحسب، بل امتدت لحظة مأساة جسده لتشعل حريقا أكبر في قيمنا الإنسانية. لم يكن الألم الحقيقي في الحرق وحده، بل في نظرات الحاضرين الذين اكتفوا بالتفرج عليه وهو يسحل ويصب البنزين فوقه لتشتعل في جسده النار. الأسوأ من ذلك، من استخدموا الحادث لالتقاط الصور والفيديوهات، كأن المأساة أصبحت مادة ترفيهية لنشرها على وسائل التواصل الاجتماعي.

شخص تلتهمه النار، بينما الجماهير من حوله تقف مذهولة… لا، ليست كلها مذهولة، فبعضها كان منشغلا بضبط زاوية التصوير، والإضاءة، والتأكد أن المشهد واضح بما يكفي لجذب المشاهدات.

حين ينشغل الناس بجمع المشاهدات والفيديوهات لنشرها أو جذب المتابعين، بدلا من محاولة إنقاذ الضحية، نكون أمام صورة قاتمة لواقعنا الاجتماعي. واقع باتت فيه أدوات التوثيق أحيانا أقوى من قيم الرحمة والإنسانية. إنها لحظة تكشف عن جريمة ثانية، أعمق وأخطر.

هنا لا نتحدث عن فعل وحيد، بل عن منظومة من الأفعال السلبية حيث يندمج الجرم الفردي مع جريمة الجماعة الصامتة. هذا الصمت الذي يتجسد في كل لحظة من التقاط الصور أو تسجيل الفيديو، هو شهادة على فقدان حس الإنسانية في مواجهة الألم المباشر للآخر.

لقد أصبحنا نعيش زمن التفرج وعدم التدخل، زمن التوثيق قبل التدخل، حيث الإنسان لم يعد يمد يده لإنقاذ إنسان في لحظة فارقة بين حياته والموت، بل ليمسك كاميرا الهاتف. حين تتجمد الغريزة الإنسانية الأساسية، نكون قد عبرنا خطًا أحمر في علاقتنا بالإنسانية نفسها.

إن مأساة الحسيمة ليست مجرد حادث فردي، بل مرآة قاسية لواقعنا الاجتماعي، الذي يحتاج أكثر من أي وقت مضى لإعادة تقييم قيمه، ولتذكرنا أن الإنسانية ليست في توثيق الألم، بل في أن نكون جزءًا من النجدة والحماية، قبل أن يتحول صمتنا إلى جريمة ثانية لا تقل فظاعة عن النار نفسها.

error: Content is protected !!