ما وقع بعد نهائي كأس الأمم الإفريقية لم يكن مجرد انفلات لغوي، بل فضيحة مهنية مكتملة الأركان. حين يخرج إعلامي مغربي ليصف لاعبا دوليا في المنتخب الوطني بلفظ حيواني مهين ( الحمار ) بسبب إضاعة ضربة جزاء، فنحن لا نكون أمام رأي جريء ولا نقد صريح، بل أمام سقوط أخلاقي فج لا يمكن تبريره بأي ذريعة.
إبراهيم دياز لم يخطئ كإنسان، بل أخطأ كلاعب في لحظة ضغط قصوى. أما من نعته بذلك الوصف، فقد أخطأ كإعلامي، وكشخص يُفترض أنه يدرك وزن الكلمة وخطورة المنبر.
الصحافة الرياضية وُجدت للتحليل، للتفسير، للمساءلة التقنية. لكن حين يغيب العقل، يحضر السبّ. وحين يعجز الخطاب عن تقديم قراءة فنية أو نفسية لما جرى، يُستدعى أسلوب الشتم كوسيلة وحيدة لإثارة الانتباه.
هذا الأسلوب ليس جديدا على صاحبه، بل أصبح نمط اشتغاله اليومي في البرنامج الذي يقدمه على أمواج إذاعة راديو مارس. يتفنن في رفع الصوت، وشخصنة النقاش مع بعض رؤساء الأندية المغربية، وتحويل الإهانة إلى منتج إعلامي قابل للتسويق.
الدراسات في علم النفس الرياضي تؤكد أن ركلات الترجيح من أكثر اللحظات قسوة على اللاعب ذهنيا، وأن الفشل فيها لا يُقاس بالقيمة أو الذكاء أو “الرجولة”، بل بعوامل نفسية معقدة. لكن من لا يملك أدوات التحليل، لا يرى في هذه المعطيات سوى “ترف أكاديمي”، ويفضّل لغة الشارع.
الأمر يزداد خطورة حين يصدر هذا الخطاب عن شخصية إعلامية مثقلة أصلًا بالجدل، وسبق أن ارتبط اسمها بملف قضائي يتعلق ببيع تذاكر مونديال قطر 2022، وهو ملف تناولته الصحافة الوطنية والدولية وانتهى بأحكام قضائية موثقة.
لسنا هنا لتصفية حسابات، لكن منطق الصحافة واضح، فمن تحوم حوله أسئلة النزاهة، لا يملك ترف توزيع شهادات الأخلاق على الآخرين. فبدل أن يُراجع العوماري خطابه، اختار الهجوم، وبدل أن يعتذر، يصر على التطبيع مع الإساءة، وكأن المنبر ملكية خاصة لا تخضع لأي ضوابط.
إن الاحتماء بشعار “حرية التعبير” في هذه الحالة تزوير فاضح للمفهوم. حرية التعبير، وفق كل المواثيق الدولية، تتوقف عند حدود الكرامة الإنسانية، ولا تشمل السبّ أو التحريض أو التشهير، وفي بلد يعاني من عنف الملاعب، ومن استهداف اللاعبين في المدرجات وعلى مواقع التواصل الاجتماعي، فإن هذا النوع من الخطاب ليس بريئا، بل وقود إضافي للفوضى.
هنا تصبح مسؤولية الهيأة العليا للاتصال السمعي البصري (الهاكا) اختبارا حقيقيا. فإما أن تقوم بدورها في ضبط الخطاب وحماية أخلاقيات المهنة، وإما أن يُفهم الصمت باعتباره ضوءًا أخضر لمزيد من الانحطاط. القضية لا تتعلق بإعلامي واحد، بل بمسار كامل يدفع فيه الإعلام الرياضي نحو القاع، تحت شعار “المشاهد يريد ذلك”.
كرة القدم تخسر نهائيات وتربحها، أما الإعلام، فإذا خسر أخلاقه، فلن يربح ثقة أحد. وإذا كان هذا هو “النقد الجريء” في نظر البعض، فربما حان الوقت للاعتراف بالحقيقة المؤلمة وهي أن المشكلة لم تعد في اللاعبين بل في من يدعي الحديث باسمهم.
