لم تكن المنطقة الحدودية التي تضم تطوان والمضيق والفنيدق وسبتة مجرد مجال جغرافي عابر، بل شكّلت لعقود نظاما اقتصاديا قائما بذاته، وفر مورد عيش لآلاف الأسر، خارج أي إطار قانوني أو حماية اجتماعية. غير أن هذا النموذج، الذي جرى التساهل معه لسنوات، كشف مع الوقت عن هشاشته البنيوية، وعدم قدرته على الصمود أمام التحولات السيادية للدولة وتشديد المراقبة الحدودية.
فمع إغلاق المعبر وتقييد أنشطة التهريب المعيشي، انهارت منظومة كاملة دون أن تكون هناك بدائل اقتصادية جاهزة، ما عمّق الإحساس بالإقصاء ورفع منسوب التوتر الاجتماعي. ولم يكن المشكل في إنهاء اقتصاد غير مهيكل، بل في غياب سياسة عمومية تواكب هذا التحول وتعيد إدماج المنطقة ضمن دورة إنتاجية حقيقية.
تاريخيا، ساهمت المبادلات غير الرسمية بين سبتة وتطوان في تحريك الأسواق المحلية وتوفير فرص شغل مباشرة وغير مباشرة، لكنها ظلت أنشطة بلا اعتراف قانوني، ولا حماية اجتماعية، ولا أفق تنموي. ومع أول اختبار سياسي، تبيّن حجم الهشاشة، وظهر الثمن الاجتماعي لاقتصاد يعيش على الهامش.
اقتصاديا، فقدت تطوان تدريجيا موقعها كقطب صناعي وتجاري صاعد، وتحولت إلى فضاء تابع، مرتبط بدينامية خارجية أكثر مما هو مندمج في سلاسل القيمة الوطنية والدولية. وهو تحول أضعف قدرتها على خلق الثروة المستدامة، وجعلها رهينة لتقلبات لا تتحكم فيها.
التجربة أكدت حقيقة بسيطة، الاقتصاد غير المهيكل لا يختفي بالمنع، بل يعيد تشكيل نفسه. البديل الواقعي هو إدماج تدريجي وذكي، عبر قنوات قانونية مرنة، تحمي الفئات الهشة، وتوفر حوافز ضريبية واجتماعية، وتضمن الولوج إلى التغطية الاجتماعية والاعتراف المهني. فالتقنين هنا ليس غاية في حد ذاته، بل أداة لإعادة توجيه النشاط نحو الاقتصاد المحلي المنظم.
غير أن الإدماج وحده لا يكفي. فدون نسيج إنتاجي حقيقي، ستبقى أي مقاربة اجتماعية محدودة الأثر. وفي هذا السياق، يبرز الرهان على إحداث وتأهيل مناطق صناعية ومناطق للأنشطة الاقتصادية بتطوان والفنيدق، قادرة على امتصاص الصدمات الاجتماعية وخلق فرص شغل مستقرة. ويظل ضعف البنيات التحتية والخدمات عائقا مركزيا، ما يفرض استثمارات واضحة في اللوجستيك، والرقمنة، وتسهيل ولوج المقاولات الصغرى والمتوسطة إلى التمويل، وربط التكوين بسوق الشغل.
أما المشروع الهيكلي الأبرز، فيتمثل في الربط السككي بين طنجة وتطوان وصولاً إلى ميناء طنجة المتوسط، مروراً بالمضيق ومارتيل. فهذا الورش لا يتعلق فقط بالنقل، بل بإعادة رسم الخريطة الاقتصادية للمنطقة، عبر تقليص كلفة اللوجستيك، وتسريع تنقل الأشخاص والبضائع، وجذب استثمارات إنتاجية قادرة على خلق قيمة مضافة.
ويكتسي هذا الرهان أهمية مضاعفة في أفق تنظيم كأس العالم 2030، الذي يشكل اختباراً حقيقياً لمدى قدرة تطوان على التحول إلى قطب حضري متكامل، من خلال تحديث النقل، والبنيات الرياضية، والخدمات السياحية، وربطها برؤية تنموية مستدامة، لا بمقاربات ظرفية مرتبطة بحدث عابر.
في المحصلة، لم يعد ممكنا تدبير الاقتصاد الحدودي لتطوان الكبرى بمنطق ردّ الفعل. وحدها رؤية ترابية مندمجة، تجمع بين التقنين الذكي، والاستثمار المنتج، والحكامة الجيدة، قادرة على تحويل إرث الهشاشة إلى فرصة تنموية حقيقية. فإدماج هذا المجال في “مغرب 2030” ليس شعاراً سياسياً، بل اختيار استراتيجي يحدد موقع تطوان في مغرب ما بعد 2030: إما فضاءً منتجا ومندمجا، أو هامشاً يعيد إنتاج أزماته.