يوسف خليل السباعي : نوفيلا
* الرينكون
* إلى مدينة المضيق العزيزة، وإلى سكانها الذين أعشقهم من القلب، وأكنّ لهم كل الاحترام والتقدير.
إلى هذه المدينة الساحرة التي تحتضن البحر والجمال، وإلى أهلها الطيبين الذين يفيضون دفئًا وكرمًا، أبعث أسمى مشاعر المحبة والامتنان.
ستظل المضيق في القلب مكانًا استثنائيًا، بأهلها، بذكرياتها، وبروحها التي لا تُنسى.
* لم تكن نرجس الساقي تلتقط الصور لتتذكر، بل لتتأكد من أنها كانت هنا فعلًا.
كانت الكاميرا، في يدها، أشبه بمرآة ثانية، مرآة لا تعكس الملامح فقط، بل ما يتسلل خلفها… الارتباك الخفيف في زاوية العين، الشحوب الذي لا تفسره الشمس وحدها، ذلك الوميض الذي يشبه سؤالًا لا يريد جوابًا.
وقفت على شاطئ الرينكون، وأدارت العدسة نحو وجهها أولًا.
صورة واحدة لم تكفِ.
ولا اثنتان.
كانت تضغط الزر كما لو أنها تخشى أن تختفي قبل أن تُثبَّت في الضوء.
لم يكن الشاطئ، في ذلك الصباح المتأخر، رحيما.
كانت الحصى تملأ الأرض كعظام صغيرة مصقولة، وصدفات البحر متناثرة كأذنٍ كُسرت ثم أعيد ترتيبها عبثًا.
البحر هائج، أمواجه عالية، تضرب اليابسة كما تضرب الذاكرةُ الجسدَ حين لا يجد مهربًا.
كانت الأمواج ترتفع كجدران كنيسة تطوان، ثم تنهار دفعة واحدة، بلا صلاة.
الريح محمّلة برائحة الملح، وبشيء آخر أقدم… رائحة المدن التي تمر ولا تقيم، رائحة العابرين الذين يظنون أن البحر سيمنحهم معنى.
بعيدًا قليلًا، على بضعة أمتار من الصخور، حانة ومقهى ومطعم مبنيّ على الماء الأزرق، كأن أحدهم قرر أن يضع المتعة فوق الفوضى مباشرة.
وبالقرب من المكان، بائع لوحات صغيرة، يصفّها بعناية مفرطة، كمن يحاول أن يمنح النظام للفوضى مرة أخرى.
لوحات لفنانين وفنانات، أسماء لا تقول شيئًا، وألوان تقول أكثر مما ينبغي.
ثمن الواحدة أربعون درهمًا، وهو ثمن يبدو زهيدًا قياسًا إلى محاولة الإمساك بالعالم في إطار خشبي.
في الفضاء الواسع، حيث المقاهي والمطاعم وألعاب الأطفال، كانت امرأة تجلس على كرسي بلاستيكي، تراقب طفلها وهو يدفع سيارة صغيرة بين سيارات أخرى.
اللعب كان جادًا على نحو غريب، كما لو أن الطفل يعرف، أن العالم كله لعبة مُدارة بسوء.
غير بعيد من الملهى، كانت البواخر والزوارق الشراعية والدراجات المائية تصطفّ، وتتحرك، وتتوقف، ويشرف عليها حرس بملامح محايدة.
النوارس، فوق كل هذا، تقلب أجسادها في الهواء، وتصرخ كما لو أنها تحتج على هذا التواطؤ بين البشر والماء.
رأت نرجس كل ذلك دفعة واحدة، لا بعينيها فقط، بل بجسدها كله.
كانت تشعر أن المكان لا يُرى، بل يُعاش في طبقات عميقة من النفس، حيث لا يظهر الإنسان إلا حين يتعرّى من أدواره.
هنا، على الشاطئ لم يكن العري فضيحة، بل قانونًا طبيعيًا.
الزحام شديد.
الحرارة خانقة.
الخطوات فوق الحصى تُصدر صوتًا يشبه تكسير أفكار قديمة.
بائع القهوة السوداء يصرخ، وبائع “البيني” يردّ، وبائع الحلويات يفاوض الهواء، وبائعة السندويتشات والماء تمرّ بخفة غريبة.
كل الأصوات تختلط… الأمواج، ضحكات النساء، جدال الرجال، صرخات الأطفال، كأن المكان يكتب نفسه شفهيًا، بلا تنقيط.
كانت المساحات الرملية محجوزة.
الكراسي، الشمسيات، الموائد، كل شيء يحتل البحر.
البحر، الذي لا يعرف الملكية، يفرض عليه نظام لا يفهمه.
ومع ذلك، لا يعترض.
يرد فقط بأمواجه العالية، التي تتكسر على اليابسة كما لو أنها تقول: أنا هنا، رغم كل شيء.
اقتربت نرجس من الفندق الكبير، فشعرت بانقسام حاد.
كائنان يقفان متقابلين:
كائن الفندق، مصقول، مكيّف، مشبع بالملذات.
وكائن الشاطئ، فوضوي، مكشوف، لا يملك إلا السماء والبحر والرمل.
بينهما حاجز غير مرئي، لكنه قاطع.
كحاجز الشعر والسرد.
منفصلان ومتصلان في آن واحد.
لا يتطابقان، ولا يعترف أحدهما بالآخر، إلا في وسط الماء الأزرق، حيث يتساوى الجميع في العوم أو الغرق.
جلست نرجس على صخرة ملساء.
خلعت حذاءها.
وضعت قدميها في الماء.
شعرت ببرودة مفاجئة، كأن البحر يوقّعها باسمه.
تذكرت زهرة النرجس.
لا الزهرة بوصفها نباتًا، بل بوصفها أسطورة ذلك الكائن الذي أحب صورته حتى الفناء.
ابتسمت بسخرية خفيفة.
هل كانت تفعل الشيء نفسه؟
هل كانت كل هذه الصور محاولةً للنجاة من الاختفاء؟
مرت غيمة صغيرة، فصار ظلّها واضحًا على الماء.
الأمواج استمرت في العلوّ.
الصخب لم يهدأ.
الصباح لم يعد بشيء جديد.
والماء الأزرق… كان ينتظر.
في حقيبتها الصغيرة، كانت نرجس تحمل دفترًا.
دفترًا بلا غلاف واضح، أوراقه مائلة إلى الاصفرار، كأنه عاش أكثر مما ينبغي.
فتحت الدفتر.
لم تكن هذه المرة للكتابة، بل للعودة.
كانت قد نسخت، بخط يدها، قصيدة لبودلير.
ليست ترجمة حرفية، بل ترجمة عاشقة، مرت عبر جسدها قبل أن تمر عبر اللغة.
قصيدة عن الشعر، عن العطر، عن الذاكرة التي تُؤكل كما تؤكل الفاكهة.
لماذا بودلير هنا؟
سألت نفسها.
ثم لم تنتظر جوابًا.
بعض الأسئلة لا تُطرح إلا لتبقى.
وقفت.
اقتربت من حافة الماء.
الأمواج لامست أطراف فستانها.
فتحت الدفتر، وبدأت تقرأ، بصوت منخفض، كأنها لا تريد إزعاج البحر:
“دعيني أتنفّس طويلًا عطر شعركِ،
وأنغمس بوجهي فيه،
كما يفعل رجل ظمآن في ماء نبع…”
كان صوتها يمتزج بصوت الموج.
الكلمات تخرج من فمها، تمرّ عبر الهواء، وتسقط على الرمل، ثم تُمحى جزئيًا، لكنها لا تختفي.
شعرت، وهي تقرأ، أن الرينكون لم يعد مكانًا فقط، بل ضفيرة شعر كثيفة، سوداء، ثقيلة، يمكن للذاكرة أن تعضّها دون أن تُلام.
كانت المدينة كلها، في تلك اللحظة، شعرًا:
الميناء، الأغاني الحزينة، الرجال القادمون من كل الأمم، السفن، الأشرعة، الروائح المختلطة.
حين وصلت إلى السطر الأخير، توقفت.
رفعت رأسها.
نظرت إلى الأفق.
ثم أغلقت الدفتر ببطء.
لم تصفّق الأمواج.
لم يلاحظ أحد.
لكن شيئًا ما كان قد استقرّ.
جلست من جديد على الصخرة.
وضعت الدفتر بجانبها.
والتقطت صورة أخيرة.
هذه المرة، لم تكن لوجهها.
كانت للبحر.