تحت القائمة

حين تهمس الذاكرة بلغة الرواية

في تلك المسافة الخفيفة بين ما حدث وما بقي منه في الروح، تبدأ الرواية في التشكل لا كحكاية تروى، بل كأثر ناعم يمر في القلب مثل نسمة عابرة. هناك، في ذلك الحيز الذي لا يقاس بالساعات بل بارتجاف الذاكرة، تصبح القراءة أشبه بفتح نافذة صغيرة على زمن ظل طويلا صامتا.

في رواية “نساء البيت الخلفي” * للروائي عبد الجليل الوزاني التهامي، لا يبدو السرد كأنه يتقدم بخطوات ثابتة، بل كأنه يسير على مهل، مثل ذكرى تعود دون موعد. فالأحداث لا تصرخ لترى، بل تهمس لتحس. والنساء اللواتي يعبرن هذا البيت الخلفي لا يظهرن كأسماء محددة بقدر ما يظهرن كظلال حياة قديمة، كأصواتٍ خافتة بقي صداها معلقا في الجدران.

هنا يصبح الزمن شيئا مختلفا… لا يمضي إلى الأمام فقط، بل يلتف ويعود، كأن الماضي لم يغادر تماما. تفصيل صغير قد يوقظ زمنا كاملا، وصوت عابر قد يفتح بابا لذاكرة كانت نائمة. وهكذا تتحول الرواية إلى مساحة رقيقة تتجاور فيها اللحظات… ما كان، وما بقي منه، وما لا يزال يتشكل في الخيال، وفي تخييل الروائي.

البيت الخلفي نفسه يبدو كأنه قلب الحكاية؛ مكان يحتفظ بالأسرار دون أن يعلنها، ويترك الأشياء تتكلم بلغتها البطيئة. في زواياه تختبئ حكايات صغيرة، وربما لهذا تبدو الرواية أقرب إلى الإصغاء منها إلى الحكي، أقرب إلى الشعور منها إلى التفسير.

إنها رواية تمشي بخفة، لا تثقل القارئ بالأحداث، بل تتركه يتتبع أثر الزمن وهو يمر في الأشياء. وكلما تقدمت الصفحات، بدا أن ما يروى ليس الماضي وحده، بل ذلك الحنين الخفي الذي يجعل الذكريات تعود لتعيش مرة أخرى.

وحين تنتهي القراءة، لا يبدو أن الحكاية انتهت فعلا. يبقى شيء منها معلقا في الداخل، مثل ريشة هبطت بهدوء في الذاكرة، وقررت أن تبقى هناك قليلا.

إشارة

* الرواية التي قرأتها أكثر من مرة ولا تفارقني، لا أعرف ماهو السبب؟

error: Content is protected !!