تحت القائمة

الرواية عند البشير الدامون .. كتابة الإنسان ومقاومة النسيان

يوسف خليل السباعي/ تطواني

تبدو الرواية في تصور الروائي المغربي البشير الدامون أكثر من مجرد شكل أدبي أو حكاية تروى، فهي فعل وجودي عميق، وفضاء مفتوح للبوح ومساءلة العالم. إنها عنده مساحة تتقاطع فيها الذات مع التاريخ، والخيال والتخييل مع الواقع، والألم الشخصي مع الذاكرة الجماعية، لتصبح الكتابة الروائية وسيلة لفهم الإنسان في هشاشته وصراعاته وأحلامه المؤجلة. ومن هذا المنطلق، لا تقرأ الرواية لديه بوصفها سردا للأحداث فحسب، ولكن باعتبارها تجربة إنسانية كاملة تنبع من المعاناة وتعود إليها لتكشف خباياها.

انبثقت تجربة البشيرالدامون الروائية من واقع اجتماعي قاس عاشه في أحياء مدينة تطوان، حيث اختلط الفقر بالعنف، وتحولت تفاصيل الحياة اليومية إلى مادة للكتابة والتأمل. لم تكن الكتابة بالنسبة إليه خيارا أكاديميا أو ترفا ثقافيا، ولكنها كانت أشبه بطوق نجاة من اختناقات الواقع، ووسيلة للتعبير بافتتان عن جروح الطفولة ومشاهد العنف التي تركت أثرها في الذاكرة. لذلك جاءت رواياته الأولى، مثل سرير الأسرار، محمّلة بتجربة ذاتية عميقة، لكنها سرعان ما تجاوزت حدود السيرة الشخصية لتلامس التاريخ والذاكرة الجماعية، بحثا عن صوت لمن همشتهم الروايات الرسمية.

تتأسس رؤية البشير الدامون للرواية على قناعة بأن هذا الجنس الأدبي يمتلك قدرة استثنائية على احتضان الأسئلة الكبرى للإنسان. فالرواية عنده ليست شعرا ولا تاريخا بالمعنى الصارم، لكنها قادرة على استضافة الاثنين معا داخل فضاء تخييلي يسمح بإعادة صياغة التجربة الإنسانية. لذلك يولي أهمية خاصة للعلاقة بين الواقع والتخييل، حيث يرفض التلاعب بالوقائع التاريخية الكبرى أو تزويرها، لكنه يمنح نفسه حرية تشكيل العواطف والدوافع الإنسانية للشخصيات، بما يحافظ على النزاهة التاريخية ويمنح النص في الوقت نفسه حياة فنية. وقد تجلت هذه الرؤية في رواياته مثل هديل سيدة حرة، التي استعاد فيها شخصية المرأة المقاومة في تاريخ شمال المغرب، لا لإعادة كتابة التاريخ حرفيا، بل لتقديمه بوصفه حلما إنسانيا مفتوحا على التأويل.

إن الرواية في مشروع الروائي البشير الدامون ليست خطابا وعظيا أو بيانا أيديولوجيا، بل أداة لفهم الواقع وتفكيك بنياته العميقة. فهو يرى أن السرد قادر على كشف مظاهر التخلف الاجتماعي والسياسي التي تعجز النظريات المجردة عن تفسيرها أو معالجتها. ومن هنا تتحول الرواية إلى فعل مقاومة هادئ، يطرح الأسئلة بدل تقديم الأجوبة، ويزعزع ما يبدو ثابتا أو بديهيا.وهكذا لا يصبح القارئ في هذا التصور متلقيا سلبيا، وإنما شريكا في الفعل الجمالي، إذ يفترض أن يغادر الرواية محمّلا بأسئلة جديدة ورؤى مختلفة تدفعه إلى إعادة التفكير في العالم من حوله.

وتكشف روايات البشير الدامون كذلك عن انشغال واضح بالهامش الإنساني، حيث يمنح صوته للشخصيات المقصية والمهمشة التي لا تجد مكانا في السرد الرسمي للمجتمع. ففي روايات مثل أرض المدامع أو زهرة الجبال الصماء تظهر شخصيات مجروحة، تعيش على تخوم المدينة والتاريخ، وتحمل أحلاما صغيرة في مواجهة واقع قاس. هذه الشخصيات ليست مجرد عناصر حكائية، بل مرايا تعكس صراعات الإنسان المعاصر مع السلطة والهوية والاغتراب.

ويولي صاحب ” في انتظار الأطباق الطائرة” أهمية كبيرة للبناء الفني للكتابة الروائية، إذ يعتبر أن الرواية ليست ما يكتب فقط، بل كيف يكتب. لذلك يراجع ويصحح وينقح مسودات ومخطوطات رواياته مرات عديدة كما صرح لي بذلك حيث يمنح اللغة عناية خاصة لضمان انسجامها وجماليتها وتماسكها البنائي. فالرواية بالنسبة إليه عملية مخاض طويلة، تتطلب صبرا وتأملا عميقين من أجل تحقيق توازن دقيق بين الحكاية واللغة والأسلوب، وبين الفكرة والشكل.

علاوة على ذلك، فقد أثرت السينما في تشكيل رؤيته السردية، إذ امتدت تجربته إلى كتابة السيناريو، وتحولت بعض رواياته مثل سرير الأسرار إلى فيلم وأرض المدافع إلى مسلسل ما أضاف بعدا بصريا إلى حساسيته الروائية. هذا التداخل بين الأدب والصورة أسهم في تطوير أسلوبه السردي، حيث تبدو مشاهده الروائية في كثير من الأحيان مشبعة بحس بصري وحركي قريب من لغة السينما.

وفي نظر البشير الدامون، ما تزال الرواية المغربية حديثة نسبيا مقارنة بالتجارب المشرقية والغربية، لكنها استطاعت رغم ذلك أن تبني خصوصيتها الجمالية بفضل تنوع البيئة التاريخية والثقافية التي تنبع منها. غير أنه يرى أن هذه الرواية تحتاج إلى نقد أدبي أكثر عمقا يكشف ملامحها الفنية ويضعها في سياقها العالمي.

في نهاية المطاف، تتلخص رؤية البشير الدامون للرواية في كونها كتابة عن الإنسان ومن أجل الإنسان. فالكاتب الحقيقي، في نظره، ينبغي أن يتحرر من الأدلجة الضيقة والانتماءات المغلقة، وأن يجعل من الإنسانية هويته الكبرى. لذلك تظل الرواية، في مشروعه الإبداعي، مساحة للحلم والمقاومة والبوح، ومجالا لاستعادة الكرامة الرمزية لأولئك الذين لم يجدوا مكانا لهم في التاريخ المكتوب. إنها كتابة تحاول أن تتنصت إلى الألم الإنساني، وأن تمنح الذاكرة صوتا، وأن تفتح أمام القارئ أفقا للتفكير في عالم أكثر عدلا واتساعا.

error: Content is protected !!