تطوان بين ضجيج بلدية الأزهر وصمت القضايا الكبرى
في مشهد يكاد يختزل مفارقات النقاش العمومي في تطوان، تحوّل ملف مقر بلدية الأزهر إلى قضية رأي عام تستأثر بالنقاش والاهتمام، وكأن المدينة لا تعاني من اختلالات أعمق وأخطر تمس يوميات الساكنة ومستقبلها.
ليس في الأمر تقليل من أهمية تدبير مرفق جماعي أو ضمان استمرارية خدماته، لكن ما يثير الاستغراب هو هذا التضخم غير المبرر في حجم التفاعل، إلى درجة تكاد توحي بأن أزمة تطوان تختزل في جدران بلدية، لا في واقع اقتصادي هش، ولا في بنية تحتية متعثرة، ولا في خدمات اجتماعية تعاني اختلالات مزمنة.
في المقابل، تمر ملفات حيوية مرور الكرام، دون أن تحظى بذات الزخم أو الضغط. تأخر افتتاح المستشفى الجهوي، على سبيل المثال، ليس مجرد مشروع متعثر، بل هو رهان حقيقي على الحق في العلاج لآلاف المواطنين. ومع ذلك، لا يكاد يثير النقاش الذي يستحقه، رغم انعكاساته المباشرة على الصحة العمومية بالمدينة والإقليم.
الأمر نفسه ينطبق على مشروع طريق الحزام الأخضر، الذي طال انتظاره، وتعثره المستمر يطرح أكثر من علامة استفهام حول جدية الإنجاز ونجاعة التخطيط. المشروع الذي قدم كأولوية لتخفيف الضغط المروري وتحسين الربط بين المدينة ومحيطها.
أما تهيئة سهل واد مرتيل، فهي قضية بيئية وتنموية بامتياز، ترتبط بحماية المجال الطبيعي من التدهور، وبإمكانيات استثماره في خدمة التنمية المحلية. ومع ذلك، يظل هذا الورش في هامش النقاش، رغم ما يحمله من رهانات استراتيجية.
المفارقة المؤلمة أن هذا الخلل في ترتيب الأولويات لا يقتصر على المؤسسات، بل يمتد أيضا إلى الرأي العام، الذي ينخرط أحيانا في نقاشات جزئية على حساب القضايا الجوهرية. فلو أن جزءا يسيرا من الطاقة التي صرفت في تتبع تفاصيل بلدية الأزهر وجه نحو هذه الملفات الكبرى، لكان من الممكن خلق ضغط حقيقي يحرج المسؤولين ويدفع نحو تسريع وتيرة الإنجاز.
إن ما تحتاجه تطوان اليوم ليس فقط حل أزمة بناية، بل إعادة توجيه البوصلة نحو القضايا الكبرى التي تصنع الفرق في حياة الناس. فالنقاش العمومي، حين ينحرف عن أولوياته، لا يعكس فقط خللاً في الاهتمام، بل يساهم بشكل غير مباشر في إطالة عمر الأزمات الحقيقية.
تطوان لا تختزل في بلدية، مهما كانت رمزيتها. تطوان تختزل في حق مواطنيها في الصحة، في تنقل سلس، في بيئة سليمة، وفي تنمية تليق بتاريخها ومكانتها. وما لم يُعاد ترتيب الأولويات، سيظل الهامش يبتلع المتن، وسيبقى الضجيج يحجب القضايا التي تستحق أن تُسمع.
