تحت القائمة

حين تنهزم الحسابات أمام صمود التعاقد

✍️ رأي حر / عادل أسگين

في تطوان، وبدل أن تحمل الدورة الاستثنائية لشهر مارس بشائر التوافق لساكنة تنتظر الإنجاز، عشنا فصلًا جديدًا من فصول العبث السياسي؛ حيث وُضعت الكفاءة في كفة، والمصالح الضيقة في كفة أخرى، فرجحت – للأسف – كفة “الأنا” المتضخمة التي تصر على تعطيل المسار التنموي للمدينة.

الدكتورة نرجس الخريم، التي لم تصل عبر ريع سياسي أو صدفة انتخابية، بل راكمت منذ سنة 2021 مسارًا قائمًا على النزاهة والعمل الجاد، وجدت نفسها أمام “فيتو” يفتقر إلى المنطق السياسي. فالرفض لم يكن موجها لشخصها بقدر ما كان محاولة لإجهاض مبدأ الاستحقاق. كيف يمكن تفسير حصول مرشحة على دعم أغلبية مريحة، تضم المعارضة وجزءًا مهمًا من التحالف المسير، ثم يُجهض ترشيحها استجابة لرغبة فرد واحد، تحت غطاء “تزكية” حزبية ضيقة.

ما حدث لا يمكن اختزاله في مجرد تصدع داخل الأغلبية، كما قد يروج البعض، بل هو في جوهره فرز أخلاقي واضح. مشهد اصطدمت فيه قناعات مؤمنة بالاستحقاق مع حسابات ضيقة، في مقابل التزام أخلاقي وتعاقدي جسّده رئيس الجماعة، مصطفى البكوري، عن حزب التجمع الوطني للأحرار، بروح مسؤولة ووفاء للكلمة. لقد اختار رئيس الجماعة، في هذا المنعطف، أن ينتصر لمنطق الالتزام بدل الانزلاق نحو مناورات ظرفية، مؤكدًا أن الممارسة السياسية لا تُقاس فقط بالنتائج، بل أيضًا بمدى احترام التعهدات.

في خضم هذا التوتر، شكّل انتخاب مصطفى العباسي، عن حزب الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، إضافة نوعية لتشكيلة المكتب. لم يكن مجرد اسم لسد فراغ، بل نموذجًا للكفاءة التي تفرض نفسها. فقد نجح، بما يتمتع به من رصانة وتجربة، في نيل ثقة واسعة تُرجمت في شبه إجماع (38 صوتًا)، مع تسجيل رفض حزب العدالة والتنمية وامتناع عضو واحد، وهو ما يعكس قدرة الكفاءة على تجاوز الاصطفافات التقليدية.

في المحصلة، يمكن القول إن نرجس الخريم حققت انتصارًا معنويًا، تجلّى في امتناع أكثر من 15 عضوًا وتعاطف شريحة واسعة من المجلس معها، كما انتصر مصطفى البكوري لالتزامه الأخلاقي، فيما عزّز مصطفى العباسي صورة الكفاءة داخل المؤسسة. أما من راهنوا على إخضاع القرار الجماعي لمنطق المزاج الفردي، فقد أخفقوا في اختبار المصداقية السياسية.

فالشرعية الحقيقية لا تُمنح في الكواليس، بل تُبنى داخل المؤسسات ومن خلال ثقة المنتخبين. وما عدا ذلك، يظل مجرد تفاصيل عابرة في مسار تدبير الشأن العام.

error: Content is protected !!