تحت القائمة

العنف المجتمعي.. أو حينما يتوهم العاجزون القوة

✍️ د. منعم أولاد عبد الكريم

منعم
✍️ منعم أولاد عبد الكريم (طالب مفتش بمركز تكوين مفتشي التعليم – الرباط)

ما بين الضرب بالسلاح الأبيض على الوجه، كما وقع بتطوان قبل أسابيع، والضرب بالعصى على الرأس في حادثة القنيطرة، تستفحل في صمت الكثير من مظاهر العدوانية الرمزية والعنف اللفظي والمعنوي والنفسي، الذي لا تقل تبعاته خطورة عن الأضرار الجسدية الناتجة عن التعنيف البدني.

إننا نعيش وسط مجتمع عدواني أصبح لدى بعض المنتسبين له استعداد لممارسة أقصى أشكال العنف والاضطهاد لأسباب تافهة أو حتى بدون سبب يذكر أحيانا، في تعبير صريح عن الضعف والعجز الكلي عن تدبير الاختلاف. فالعدوانية بكل أشكالها سلوك همجي متخلف، واللجوء إليها هو “الطريق المختصر” الذي يسلكه ذاك الذي يفتقر للحجة أو القدرة على ضبط النفس، بينما يتطلب الحوار والإقناع مجهودا عقليا ونضجا عاطفيا لا يمتلكه الكثيرون. وغالبا ما ينشغل الرأي العام بالدم والكدمات الظاهرة، لكن “الندوب النفسية” التي تتركها العدوانية اليومية في الشوارع، وأماكن العمل، وداخل الأسر، وحتى في الفضاء الرقمي، هي السم الذي يفتك بالسلم الاجتماعي ببطء ويدمر الطمأنينة العامة.

إن مواجهة هذا الانحدار السلوكي تفرض علينا اليوم تبني مقاربة شمولية تزاوج بصرامة بين الردع القانوني النافذ والثورة التربوية العميقة، مع استحضار عامل الصحة النفسية كحلقة مركزية مفقودة. فمن جهة، لا يمكن كبح جماح “البلطجة” دون تفعيل قوانين صارمة لا تكتفي بمعاقبة الاعتداء الجسدي فحسب، بل تمتد لتجريم العنف اللفظي والمعنوي في الفضاء العام، ليعلم كل معتدٍ أن كرامة المواطن وسكينته خط أحمر تحميه الدولة بهيبة قانونها. ومن جهة أخرى، يظل الردع حلاً مؤقتا ما لم توازِه “ثورة تربوية” تنطلق من الأسرة بكسر أنماط التنشئة القائمة على التسلط، وتستمر في المدرسة عبر إدراج “الذكاء العاطفي” وفن تدبير النزاعات كحصص أساسية تهذب النفوس قبل أن تشحن العقول؛ فالطفل الذي يتعلم قيم التسامح والحوار في صغره، لن يحتاج لاستخدام قبضة يده في كبره، ولا إلى اضطهاد غيره لفرض ذاته.

وفي قلب هذه الحلول، يبرز الاهتمام بالصحة النفسية والعقلية كضرورة قصوى وليس كترف فكري، إذ لا يمكن عزل مظاهر العنف المفاجئ عن حالات الاحتقان النفسي والاضطرابات الشخصية التي تتغذى على الضغوط الاجتماعية. إن كسر “طابو” المرض النفسي وتوفير مراكز للوساطة والاستماع في الأحياء والمدارس، سيساهم في تفريغ شحنات الغضب قبل أن تتحول إلى شرارات قاتلة في الشوارع. إن استعادة إنسانيتنا المشتركة تتطلب منا مراجعة شجاعة لآليات عيشنا المشترك، ليكون الحوار هو لغتنا الأولى، والقانون هو حكمنا العدل، والتربية هي حصننا المنيع ضد كل أشكال الهمجية.

error: Content is protected !!