لم يعد مقبولا بأي معيار الاستمرار في تقديم “عيد الكتاب” بتطوان كموعد ثقافي وازن، والحال أنه فقد كل مقوماته التي صنعت مجده خلال الحقبة الإسبانية، حين كان فعلا عيدا حقيقيا وعرسا ثقافيا يملأ المدينة حيوية ويجذب القراء والمثقفين من مختلف المشارب. المقارنة اليوم لم تعد مجحفة، بل ضرورية لكشف حجم التدهور الذي لحق هذه التظاهرة.
الاختلال سنة بعد أخرى لم يعد تفصيلا عابرا، بل أصبح بنيويا. بداية بقرار نقل تنظيم التظاهرة من قلب المدينة، حيث كانت ساحة المشور وبعده ساحة الفدان الجديدة تضخ الحياة في فعالياته، إلى ساحة العمالة بالحي الإداري، في خطوة أفقدته تلقائيا حضوره الوازن وإشعاعه الجماهيري. اختيار فضاء معزول نسبيا عن الحركة اليومية للساكنة ليس مجرد خطأ تنظيمي، بل يعكس غياب فهم بسيط لميكانيزمات جذب الجمهور.
الأخطر من ذلك أن الجهات المنظمة، بدل معالجة هذا العزوف، لجأت إلى حلول ترقيعية تفتقر لأي عمق، من قبيل الاعتماد على المؤسسات التعليمية لتعبئة زيارات التلاميذ. وهنا يتحول الحضور من تفاعل طبيعي نابع من اهتمام حقيقي بالكتاب، إلى أرقام تستكمل بشكل مصطنع فقط لتجميل صورة المهرجان. هذا السلوك لا يخفي الأزمة، بل يفضحها.
أما على مستوى المحتوى، فالوضع لا يقل قتامة، فضعف المعروض من الكتب، وغياب دور نشر وازنة، يجعل من المعرض فضاء محدود القيمة، لا يلبي انتظارات القارئ الجاد ولا الباحث ولا حتى الفضولي. يضاف إلى ذلك عامل الأسعار المرتفعة، التي أصبحت عائقا حقيقيا أمام اقتناء الكتب، في تناقض صارخ مع الهدف المفترض من تنظيم مثل هذه التظاهرات، أي تشجيع القراءة وتوسيع قاعدة المهتمين بها.
وإذا كان لكل هذا أن يُفهم ضمن سياق صعوبات معينة، فإن ما لا يمكن تبريره هو الغياب شبه التام لأي استراتيجية تواصلية. لا دعوات للصحافة، لا ندوة تقديمية، لا حملة إعلامية، فقط لافتة يتيمة تعلق بجدار مقر جمعية تطاون أسمير وكأن الأمر يتعلق بنشاط هامشي لا بتاريخ ثقافي يمتد لعقود.
بهذا الشكل، لا يمكن الحديث عن “عيد” للكتاب، بل عن حدث يدار بعقلية روتينية تفرغه من معناه سنة بعد أخرى. وإذا استمر هذا المنحى، فإن السؤال لن يكون عن كيفية تطوير المهرجان، بل عن جدوى استمراره من الأصل. تطوان التي صنعت لنفسها اسماً ثقافياً لا يستهان به، تستحق تظاهرة تليق بها، لا واجهة باهتة لحدث فقد روحه.
