ما يحدث في ملف المستشفى الجهوي للتخصصات بمدينة تطوان لم يعد قابلا للتأويل أو التخفيف. نحن أمام نموذج مكثف لكيف تدار السياسات الصحية في المغرب.
وزير الصحة والحماية الاجتماعية أمين التهراوي لم يخطئ فقط في التقدير عندما أعلن افتتاح المستشفى في يناير 2026، بل قدم نموذجا صارخا لخطاب سياسي منفصل عن الواقع. حين يقول مسؤول حكومي إن موعداً “غير قابل للتأجيل”، ثم يمر الموعد دون أثر، فنحن لا نتحدث عن تأخر مشروع، بل عن خلل في صدقية القرار العمومي نفسه. الأخطر ليس في الوعد الذي لم يحترم، بل في ما يكشفه هذا الوعد. تحديد مواعيد مشاريع صحية حيوية يتم دون استكمال أبسط شروطها والمتعلقة بالموارد البشرية، وجاهزية تجهيزات، وضرورة وجود رؤية واضحة للتدبير. أي أن صحة المواطنين تُدار بمنطق الإعلان، لا بمنطق الإنجاز.
تتبع مسار هذا المشروع يكشف أيضا أنه ليس التأجيل الأول، بل حلقة ضمن سلسلة طويلة من الوعود غير المنجزة، حيث تم الإعلان عن أربعة مواعيد افتتاح منذ سنة 2018، دون أن ترى النور. اللافت أن الوزارة لم تقدم، إلى حدود اليوم، أي تقرير رسمي يحدد أسباب هذا التعثر المتكرر أو يوضح المسؤوليات المرتبطة به، سواء كانت تقنية أو إدارية أو مرتبطة بتدبير الصفقات والتجهيزات. ويعزز غياب أي زيارة رسمية تمهيدية خلال شهر يناير، كما جرت العادة في مثل هذه المشاريع، فرضية أن الموعد المعلن من طرف وزير الصحة لم يكن قائما على جاهزية فعلية، بل على تقدير غير مكتمل لعناصر المشروع.
في أي نظام يحترم حدا أدنى من المسؤولية السياسية، كان يفترض أن يفتح هذا التناقض نقاشا سياسيا حول المحاسبة. لكن ما يحدث هو العكس تماما. صمت مطبق من داخل نفس الأغلبية، وعلى رأسها رئيس مجلس النواب رشيد الطالبي العلمي، الذي يمثل المدينة ويمتلك وزنا سياسيا لا يستهان به.
هذا الصمت ليس تفصيلا. فحين يلتزم أحد أبرز وجوه السلطة التشريعية الصمت تجاه مشروع حيوي في دائرته الانتخابية ومدينته، رغم علاقته السياسية المباشرة بمركز القرار، فإن الأمر يتجاوز حدود التقصير الفردي ليطرح سؤالا عن طبيعة العلاقة بين النفوذ السياسي وخدمة المجال الذي يفترض تمثيله.
ما يقع في تطوان ليس حادثا معزولا، بل تعبير دقيق عن اختلال بنيوي ومسؤولية مشتركة بين مركز يقرر وفق أولويات غير معلنة، ونخب محلية تندمج في منطق التوازنات بدل المواجهة، ومشاريع استراتيجية تتحول إلى رهائن في لعبة سياسية لا علاقة لها بالحاجيات الفعلية للسكان.
وفي هذا السياق، يصبح مستشفى سانية الرمل مجرد واجهة لأزمة أعمق، حيث يطلب من بنية صحية محدودة أن تتحمل ضغط إقليم كامل ومناطق مجاورة، بينما يظل مستشفى جهوي جاهز من حيث البناء خارج الخدمة، كأنه مشروع زائد عن الحاجة.
الأمر لم يعد يتعلق بتأخر إداري أو تعقيد تقني. ما يحدث هو إعادة إنتاج واضحة لمنطق يعتبر بعض المدن أولوية، وأخرى هامشا قابلا للتأجيل. وتطوان، رغم تاريخها وثقلها السكاني، تجد نفسها مرة أخرى في موقع الانتظار، وكأن حقها في بنية صحية لائقة قابل للتفاوض. واللافت أكثر أن المستشفى الجهوي للتخصصات بتطوان لم يدرج ضمن لائحة المؤسسات الصحية التي أعلنت الحكومة عن افتتاحها خلال سنة 2026، رغم الوعود السابقة، وهو ما يعمق الإحساس بأن المدينة خارج أولويات البرمجة الصحية الوطنية.
استمرار هذا الوضع المتعلق بتأخير افتتاح المستشفى الجهوي لا يعني فقط فشل مشروع صحي كبير، بل تكريس نموذج في مركز القرار يفرغ الخطاب العمومي من معناه، ويجعل الثقة بين المواطن والمؤسسات ضحية مباشرة.
تطوان لا تعيش أزمة مستشفى فقط، بل أزمة تمثيل. وحين تصبح صحة المواطنين تفصيلا في معادلة سياسية، فالمشكلة لم تعد في مشروع متعثر، بل في الطريقة التي تدار بها الأولويات داخل الدولة.
