لم تعد التطورات المرتبطة بالمهاجرين في سبتة تقتصر على تدبير موجات الوصول أو النقاش التقليدي حول الهجرة والحدود، بعدما بدأت المدينة تشهد، وفق معطيات حقوقية وميدانية، تصاعداً لافتا في مظاهر العداء للمهاجرين، وصولاً إلى تحركات في الشارع وخطاب تحريضي عبر شبكات التواصل الاجتماعي.
المشهد الجديد يثير الانتباه بشكل خاص، لأن سبتة عرفت خلال السنوات الماضية موجات متكررة من الهجرة، لكنها لم تشهد، بالحدة نفسها، هذا النوع من التعبئة الشعبية ذات الخلفية اليمينية المتطرفة، أو انتقال خطاب الرفض من النقاش السياسي إلى ممارسات ميدانية تستهدف المهاجرين بشكل مباشر.
وتشير المعطيات المتداولة إلى تنظيم مجموعات محسوبة على اليمين المتطرف لتحركات في عدد من مناطق المدينة، رُفعت خلالها أعلام متطرفة وظهرت العصي، فيما تحدثت مصادر حقوقية عن استهداف مهاجرين وأماكن إيوائهم، إلى جانب تسجيل اعتداءات وإحراق هياكل مؤقتة كانوا يستخدمونها للمبيت بالقرب من الشاطئ.
وبينما لم تسجل إلى حدود إصدار الموقف الحقوقي، حالات وفاة مرتبطة بهذه الاعتداءات، فإن تسجيل إصابات نتيجة الضرب وتدمير ممتلكات المهاجرين وإحراق أماكن إيوائهم يضع السلطات الإسبانية أمام اختبار يتجاوز تدبير ملف الهجرة نفسه إلى ضمان الأمن في المدينة دون أن يتحول التوتر الاجتماعي إلى عنف جماعي يستهدف فئة محددة بسبب وضعها كمهاجرين.
وتزداد حساسية الوضع مع ورود شهادات حول وقوع بعض الاعتداءات بالقرب من عناصر الشرطة الإسبانية، وهو ما يجعل مسألة تدخل السلطات وواجبها في حماية جميع الموجودين داخل المدينة، بصرف النظر عن وضعهم القانوني، جزءا أساسيا من النقاش الدائر حول الأحداث الأخيرة.
ولا يبدو أن التوتر بقي محصورا في الشارع. فقد انتقل جزء كبير منه إلى الفضاء الرقمي، حيث تصاعدت منشورات وتعليقات تربط المهاجرين بالأمراض المعدية وتهول من المخاطر الصحية المرتبطة بوجودهم، في خطاب ترى فعاليات حقوقية أنه يساهم في خلق صورة نمطية تجعل من المهاجر خطرا قبل أن يكون إنسانا يعيش وضعا هشا.
الأكثر إثارة في التطورات الأخيرة هو بروز ما تصفه جهات حقوقية مغربية بتنامي حضور اليمين المتطرف في المشهد المحلي. فالمجموعات القادمة من مناطق أخرى في إسبانيا للمشاركة في تحركات ضد المهاجرين تضيف بعداًد جديداًد إلى الأزمة، وتحول سبتة من فضاء محلي يتعامل مع ضغط الهجرة إلى نقطة جذب لتحركات سياسية وشعبية تتبنى خطابا أكثر تشددا.
وهذا التطور قد تكون له تبعات تتجاوز المهاجرين أنفسهم. فالصورة التي تقدمها سبتة عن نفسها أمام الرأي العام الإسباني والدولي تصبح مرتبطة أيضا بقدرة المؤسسات على منع تحول التوتر الاجتماعي إلى ممارسات عنصرية، خصوصا أن الدولة الإسبانية باعتبارها دولة أوروبية مطالبة بضمان حماية الأشخاص الموجودين على أراضيها واحترام كرامتهم وحقوقهم الأساسية.
وفي المقابل، فإن تجاهل المخاوف الحقيقية التي يشعر بها جزء من سكان المدينة سيكون خطأ أيضا. فالأمن، وتدبير الهجرة، وحماية الفضاء العام، وتنظيم استقبال الوافدين، كلها قضايا مشروعة تستوجب سياسات واضحة وفعالة. لكن معالجة هذه الملفات لا تحتاج إلى تحويل المهاجرين إلى كبش فداء، ولا إلى منح خطاب الكراهية مساحة للتوسع.
المفارقة أن سبتة كانت دائما إحدى أكثر المدن الإسبانية احتكاكا بملف الهجرة بحكم موقعها الجغرافي، ولذلك فإن التعايش مع هذا الواقع يفترض وجود مؤسسات قادرة على إدارة الأزمات دون السماح بانزلاقها إلى صراع اجتماعي مفتوح.
