هذا الركن لقصة السبت، وذلك في إطار الانفتاح على القصة القصيرة. هذا الجنس الأدبي الذي لا ينتبه له كثيرا. وبقلم يوسف خليل السباعي باعتباره قاصا هنا من مدينة تطوان.
في أيام الحجر الصحي وانتشار فيروس كورونا المستجد كنت أكتب يومياتي، لكنني لم أكن كاتب يوميات حقيقي. ألهذا السبب، رميت بالأقلام والأوراق البيضاء من الشرفة؟ والحقيقة أنه كان بحوزتي أقلام ملونة كثيرة وأوراق كثيرة، بيد أنني كنت أفضل الأزرق والأسود، فنزلت على رأس صاحب مقهى “التوأمان” الذي نسيت اسمه، فغالبا ما أنسى الأسماء، إلا أنني لم أنسى أبدا إسم هاروكي موراكامي على الرغم من صعوبة نطقه فغضب، وقال بعصبية :
– أبنادم وش ما كاتشوفشي… وش أنت أعور.
ولكنني لم أجاوب، واختفيت في الداخل. كان المنزل الذي اكتريته واسعا، إلا أن أثاثه قديم، وليس قذر… حيث لم أكن أول من سكنه، ولن أنسى أنني كنت أسمع أصواتا بالليل وأشباحا تتحرك، أو قد يكون هذا خيال فحسب، لا أعرف، ذلك أن الأشباح موجودة… ألم تسمعوا عن أشباح الموظفين!
قبلا، نسيت أن أقول لكم، أنا إسمي هو الكابال. ومن سماني ذاك الإسم هو أبي… لا شأن لكم باسمه، فهو لايراكم الآن، إلا إذا مال لليمين أو لليسار. ولكنه كان يحب الوسط. الوسط الضبابي، الغائم، الملتبس…. العالي كالجبل.
أعود الآن إلى قصتي. فتحت الراديو، فإذا بي أسمع هذا الإسم الذي أحفظه عن ظهر قلب، أدعوكم أن تحفظونه جيدا. سمعت: معكم هاروكي موراكامي. وحاولت أن أعيد مع نفسي الإسم: هاروكي موراكامي. كنت أعرفه قاصا وروائيا يابانيا، لكنه مختلف عن كل الروائيين اليابانيين الذي تعرفونهم أولاتعرفونهم. متسائلا، قلت في سري : هل تحول من كاتب إلى إعلامي بإذاعة خاصة في اليابان، أم أنه يحاول رفع معنويات الأمة تحت الحجر الصحي بسبب فيروس كورونا…
قربت الراديو إلى حجري ونمت، وأنا أسمع – وهي عادة استعملتها حين كنت أسمع قارئا لرواية ” البؤساء” الطويلة لفكتور هوجو،: معكم… معكم… معكم هاروكي موراكامي، “مؤلف الكتب ( روايات) بما في ذلك Norwegian Wood و The Wind-Up Bird Chronicle والمفضل الدائم للفوز بجائزة نوبل، بتشغيل بعض أغانيه المفضلة والإجابة على أسئلة المستمعين في عرض لمدة ساعتين يتم بثه على الصعيد الوطني في…”
تذكرت أن الإسم الذي أطلق على العرض هو Stay Home Special إسم نداء حاكم طوكيو يوريكو كويكي الأخير للسكان بالبقاء في المنزل والانقطاع عن الخروج.
ولأول مرة أسمع صوت هاروكي موراكامي يتكلم باليابانية، فأنا لم أقرأ بعض رواياته وقصصه إلا مترجمة إلى العربية، قال هاروكي: “آمل أن تتمكن قوة الموسيقى من فعل القليل لتفجير بعض موسيقى البلوز التي تتراكم”.
في مدينتنا كان منع الخروج يجعلني أنا الكابال غير قادر على الخروج لأنني كنت خائفا من أن أصاب بالفيروس، أو بمنع الكابالات وهناك بشر في العزل والحجر وهناك من لايخرج من المنزل وهناك من مات بالفيروس. وكنت سمعت أن نائبا بمجلس النواب قد انتقل إلى رحمة الله بعد أن لم يجدون له علاجا على الرغم من محاولات الأطباء إنقاذ حياته، إلا أن الفيروس قضى عليه. وسمعت في الراديو أن مسؤولين مغاربة ويابانيين، أكدوا ضرورة أن تستمر حالة الطوارئ الصحية :
– أكدت طوكيو، يوم الإثنين، أن مركز تفشي الفيروس في اليابان، 15 حالة جديدة – وهي المرة الأولى منذ 42 يومًا التي انخفض فيها العدد اليومي إلى أقل من 20.
كان الظلام يحيط بي من كل جانب، وكانت أخبار الراديو عن المرضى والمصابين والموتى تؤلمني.
وسمعت صوت هاروكي موراكامي يقول: “عليك أن تذهب في الظلام قبل أن تصل إلى النور”.
بعد مرور سنة، وكان فيروس كورونا المستجد قد اندثر… قرأت في مجلة: “منذ عام 2018، استضاف موراكامي بشكل متقطع عرضًا مسجلاً لمدة ساعة واحدة على Tokyo FM، حيث لعب عشاق الموسيقى مجموعة مختارة من 10000 سجل في مجموعته. وشملت هذه بعض موسيقى الجاز – افتتح وأدار نادي الجاز مع زوجته، يوكو، لمدة سبع سنوات – وموسيقى البوب التي يتمتع بها عداء الماراثون أثناء ممارسة الرياضة، بما في ذلك Beach Boys و Joey Ramone و Hall و Oates… إلى جانب عمود نصائح السيد Murakami’s Place الذي كان يديره على موقعه على الويب، كانت البرامج الإذاعية علامة على أن الكاتب الروائي يتوخى المزيد من التفاعل مع معجبيه، على اعتباركونه “متوحشًا” في اليابان، كانت عروضه هي المرة الأولى التي سمع فيها العديد من المعجبين يتحدثون”.
وحالما قرأت ذلك، قلت في سري: “هل الموسيقى كالشعر شفاء؟” ربما، أنا الكابل لا أهتم بالموسيقى كما يفعل هاروكي موراكامي، ولكنني أهتم بالسينما والكارطا. وكانت هوايتي هي جمع الطوابع البريدية والأقلام والأوراق بينما كانت هوايته هو هي جمع السجلات والأقراص المدمجة منذ طفولته، وبفضل ذلك، ملأ بيته بمثل هذه الأشياء. وكان يشعر في كثير من الأحيان بشعور بالذنب تجاه العالم أثناء الاستماع إلى هذه الموسيقى المذهلة وقضاء وقت ممتع بمفرده.
عدت إلى المجلة، وقرأت:” قبل أول بث له في عام 2018 اعتقد هاروكي موراكامي أنه قد يكون من الجيد مشاركة مثل هذه الأوقات الجيدة مع الآخرين أثناء الدردشة على كوب من النبيذ أو فنجان قهوة”.
وفي هذه الأثناء، دخلت إلى المطبخ، وأعددت فنجان قهوة وجلست أستمع إلى موسيقى غريبة عني، لكنني كنت أفكر في شيء آخر، وهذا الشيء هو اسمي الذي هو الكابال. فهل بإمكانكم تفسير هذا الإسم لي؟

