تحت القائمة

في قلب تحقيق سري ج7.. هكذا نقلت شبكة “الغوما” حرب الحشيش إلى الداخل المغربي

تكشف معطيات جديدة حصلت عليها جريدة “تطواني” من قلب التحقيق الأمني السري الجاري بين سبتة ومدن الجنوب الإسباني، عن تطور خطير في بنية شبكة دولية متخصصة في تهريب الحشيش، يقودها مشتبه فيهم ينشطون بين المغرب وسبتة المحتلة ومنطقة “جبل طارق”، مع اعتماد وسائل متطورة للنقل والتخزين والتنسيق عبر البر والبحر.

تحالفات تمتد من سبتة إلى طنجة والناظور وسواحل الجنوب الإسباني

لم تكن المكالمات التي التقطتها أجهزة التنصت الإسبانية مجرد أحاديث عابرة بين مهربين على ضفاف المتوسط، بل كانت خريطة كاملة لعالم سري يتحرك في الظل، عالم تدار فيه شحنات الحشيش كما تدار الصفقات الدولية، بأسماء مشفرة، ومسارات بحرية معقدة، وتحالفات تمتد من سبتة المحتلة إلى طنجة والناظور وسواحل الجنوب الإسباني.

بعد أشهر من المراقبة والتتبع، انتهت تلك التحقيقات الأمنية باعتقال أعدد من أفراد الشبكة التي كانت تعتبر واحدة من أخطر البنيات الإجرامية الناشطة بين المغرب وإسبانيا، بعدما كشفت التسجيلات الصوتية كيف تحولت الأراضي المغربية إلى نقطة ارتكاز رئيسية لعمليات التهريب الدولي، ليس فقط كمصدر للمخدرات، بل كقاعدة للتخزين والتنسيق والانطلاق البحري.

في قلب الملف ظهر اسم مصطفى الشعريي البروزي، الرجل الذي كان يتحرك بين المدن الساحلية كما لو أنه يدير شركة نقل عابرة للقارات. داخل سيارة “مرسيدس” فاخرة، التقطت أجهزة التنصت عشرات الساعات من المحادثات التي كشفت تفاصيل دقيقة عن اجتماعات سرية، وصفقات بحرية، وخطط لنقل أطنان من الحشيش عبر “الغوما”، وهو الاسم الذي كانت الشبكة تطلقه على الزوارق السريعة.

التحقيقات أظهرت أن الشبكة لم تعد تعتمد فقط على المسارات التقليدية بين سبتة والسواحل الإسبانية، بل بدأت تنقل جزءا كبيرا من عملياتها إلى الداخل المغربي، حيث جرى الحديث بشكل متكرر عن طنجة، الناظور، القصر الصغير، وحتى موانئ الجنوب، في محاولة للابتعاد عن الضغط الأمني الذي فرضته السلطات الإسبانية خلال عملية “مرحبا”.

داخل التسجيلات، كان المهربون يتحدثون بثقة عن “كونتينرات كاملة”، وعن شاحنات جاهزة للتحرك، وعن “بالات” يتم إدخالها تدريجيا لاختبار المسارات الجديدة. لم يعد الأمر يتعلق بعمليات صغيرة تنفذ ليلا على عجل، بل بتنظيم دولي يشتغل بمنطق الشركات الكبرى، يفاوض على الأسعار، ويحدد نسب الأرباح، ويبحث عن “شركاء” إيطاليين وإسبان لتوسيع النشاط.

زوارق نفاثة ومخازن سرية دالخ المغرب

أخطر ما كشفته التحقيقات كان انتقال الشبكة إلى مرحلة جديدة من الاحتراف، حيث جرى التنسيق لاستعمال زوارق سريعة بأربعة محركات، قادرة على نقل أطنان من الحشيش دفعة واحدة، مع توفير مخازن سرية داخل المغرب ونقط انطلاق بحرية بعيدة عن أعين المراقبة.

وفي إحدى المحادثات التي اعتبرها المحققون حاسمة، تحدث البروزي مع أحد شركائه عن تجهيز ما يقارب أربعة أطنان من الحشيش، موزعة على أكثر من 130 رزمة، مع تأكيده أن “الرجال جاهزون” وأن “الطريق البحرية مؤمنة”. وفي تطور أخطر، وثقت الأجهزة الأمنية مكالمات جديدة للبروزي مع شخص يدعى “الحبيب”، تحدث فيها الطرفان بشكل صريح عن شحنات تصل إلى “700 كيلوغرام”، مع الإشارة إلى توفر “حمولة بحرية مضمونة”، واعتماد زوارق سريعة أطلقوا عليها اسم “غوما”.

وتعتبر الأجهزة الأمنية الإسبانية أن هذه التسجيلات تمثل دليلا واضحا على وجود شبكة إجرامية منظمة عابرة للحدود، تعتمد تقسيما دقيقا للأدوار بين التخزين، التمويل، النقل البحري والبري، والتنسيق اللوجستي، مع امتدادات داخل المغرب وجنوب إسبانيا.

لكن خلف هذا التنظيم المحكم، بدأت التصدعات تظهر داخل الشبكة. تسجيلات أخرى وثقت خلافات حادة بين أفرادها بسبب الأموال وتأخر الشحنات، حيث اشتكى بعض المكلفين بالتخزين والنقل من عدم حصولهم على مستحقاتهم، فيما عبر آخرون عن خوفهم من السقوط بعد تشديد المراقبة الأمنية على المعابر والموانئ.

ومع اتساع التحقيقات، بدأت الصورة تتضح أمام المحققين الإسبان. شبكة عابرة للحدود تضم مهربين ومنسقين وسائقي شاحنات وأصحاب زوارق سريعة، تعمل وفق توزيع دقيق للأدوار بين المغرب وسبتة وجنوب إسبانيا.

النهاية جاءت بشكل متسارع بعد قيام الأجهزة الأمنية الإسبانية بمداهمات متزامنة واعتقالات في عدة مدن، وحجز معطيات رقمية ووثائق ومركبات استعملت في عمليات التهريب.