تحت القائمة

في قلب تحقيق سري “ج 6” .. نفق الحشيش يفضح شبكة تهريب بين سبتة والمغرب

تكشف الوثائق السرية التي تنفرد جريدة “تطواني” بنشر تفاصيلها، عن واحدة من أكثر الشبكات تعقيدا وخطورة بين شمال المغرب ومدينة سبتة المحتلة. شبكة لم تكن تعتمد فقط على تهريب المخدرات بطرق تقليدية، بل بنت منظومة كاملة من الأنفاق السرية والمخازن والوسطاء والسيارات المعدلة، مع امتدادات بشرية ولوجستية يصعب تفكيكها دون اختراق داخلي أو سقوط أحد عناصرها الرئيسيين.

نفق سري ظل لسنوات بعيدا عن أعين السلطات

في قلب هذا الملف يبرز المشتبه الرئيسي، الرجل الذي تصفه التحقيقات الإسبانية بأنه العقل المدبر والمشرف الفعلي على عمليات إدخال الحشيش من المغرب نحو سبتة، عبر مسالك معقدة كان أبرزها نفق سري ظل لسنوات بعيدا عن أعين السلطات، قبل أن تقود اعترافات أحد المقربين منه إلى كشفه.

التسجيلات الصوتية التي التقطت داخل سيارة مرسيدس GLB 220D كان يستعملها المشتبه به بشكل دائم، لا تبدو مجرد أحاديث عابرة بين مهربين، بل تكشف ذهنية شخص يعيش تحت ضغط أمني هائل، ويحاول في الوقت نفسه الحفاظ على تماسك شبكته التي بدأت تتآكل من الداخل بفعل الاعتقالات والخلافات والشكوك المتبادلة.

في إحدى المحادثات التي وثقتها الأجهزة الأمنية بتاريخ 16 يونيو 2025، يظهر الشعيري البروزي غارقا في نقاش متوتر مع شخص يدعى “الحساني”، يتحدثان فيه عن الأموال والديون وتقاسم الأرباح المرتبطة بشحنات المخدرات. الحديث كان يحمل نبرة غضب واضحة، خصوصا عندما تطرق الطرفان إلى بعض الأسماء التي أصبحت تخشى الجلوس معه بسبب المشاكل الأمنية المتصاعدة.

لكن خلف هذا الحوار المالي كانت تتكشف أمور أكثر خطورة. الحديث بشكل صريح عن النفق الذي استخدم في تهريب “السلعة”، ولم يكن الشعيري يتحدث باعتباره مجرد وسيط أو ناقل، بل كرجل يعتبر نفسه صاحب المشروع وصاحب القرار داخل تلك المنظومة السرية.

التحقيقات تشير إلى أن هذا النفق لم يكن ممرا بدائيا، بل بنية لوجستية كاملة استعملت لإدخال كميات ضخمة من الحشيش نحو سبتة قبل توزيعها لاحقا على شبكات أخرى مرتبطة بالساحل الإسباني والأندلس. والأخطر أن البروزي بدا مقتنعا بأن سقوط النفق لم يكن نتيجة عمل أمني تقليدي، بل بسبب “الخيانة” التي جاءت من الداخل.

الاسم الذي يتكرر في معظم التسجيلات هو “حماد بنعيسى”، الشخص الذي اعتقلته السلطات الإسبانية قبل أن يقرر التعاون مع المحققين.

اعتقال بنعيسى وانهيار نفق الحيشيش

التسجيلات تكشف حجم الغضب الذي كان يسيطر على بروزي كلما ذكر اسم بنعيسى. لم يكن يتحدث عنه كمجرد شاهد ضده، بل كشخص تسبب في انهيار جزء مهم من الشبكة. وفي لحظات انفعال شديدة، أطلق تهديدات صريحة وهي تصريحات تعاملت معها الأجهزة الأمنية بجدية كبيرة، خصوصا أنها جاءت ضمن أحاديث مطولة تحدث فيها أيضا عن اتصالاته وعلاقاته ونفوذه.

الأكثر إثارة أن بروزي أقر خلال تلك الأحاديث بأنه شعر مبكرا بأن السلطات تقترب منه، ولذلك قام بإغلاق النفق وإفراغه قبل تنفيذ المداهمة الأمنية. كان يتحدث بثقة شخص يعرف جيدا كيف تتحرك الأجهزة الأمنية، بل ويعتقد أنه استطاع استباقها بخطوة.

ولم تتوقف التحقيقات عند النفق فقط. فرق المراقبة الإسبانية بدأت تركز على منازل ومستودعات تقع في منطقة “أركوس كيبرادوس”، وهي المنطقة التي يعتقد أنها كانت تستعمل كمركز لتخزين المخدرات وتحضير المعدات المرتبطة بعمليات النقل.

في 11 يوليوز 2025، رصدت عناصر المراقبة شخصا داخل منزل أصفر اللون، وهو يصنع هياكل معدنية بعجلات باستخدام معدات تلحيم. بالنسبة للمحققين، لم يكن الأمر يتعلق بأشغال عادية. ذلك التطابق بين التسجيلات والمراقبة الميدانية عزز قناعة المحققين بأن الشبكة كانت تعتمد على تقسيم دقيق للأدوار، حيث يتولى بعض الأفراد الحراسة، وآخرون التعديل التقني، بينما يشرف آخرون على النقل والتمويه والتخزين.

لكن أخطر ما ورد في الملف يعود إلى تسجيلات 2 غشت 2025، حين دخل بروزي في حديث طويل مع شخص يدعى “محمد”. هنا لم يعد الرجل يلمح أو يناور، بل تحدث بوضوح لافت عن دوره داخل الشبكة، وعن التحقيقات التي تستهدفه، وعن النفق الذي وصفه بأنه ملكه الشخصي. في تلك المحادثة، اعترف بأنه كان يدخل “أطناناً” من الحشيش بشكل متواصل.

الأحاديث نفسها كشفت أيضا أن بروزي كان يعتقد بوجود أشخاص نافذين يساعدونه مقابل المال، إذ تحدث عن “شخصيات قوية” تدخلت لحمايته، وعن مبالغ ضخمة دفعها لتجاوز بعض الأزمات التي واجهها بعد انكشاف النفق.

ورغم هذه الثقة الظاهرة، كانت التسجيلات تكشف جانبا آخر من شخصيته؛ رجل يعيش هوس المراقبة والخوف من الاختراق الأمني. كان يتجنب أحيانا استعمال سيارات الشبكة، ويتنقل بدراجة نارية داخل سبتة، ويتوقف باستمرار لمراقبة السيارات التي تسير خلفه. بل تحدث عن سائق سيارة أجرة أخبره ذات مرة بأنه مراقب من طرف الشرطة، ما دفعه إلى تغيير تحركاته والتقليل من نشاطه.

سيارات معدلة لنقل الحشيش عبر معبر باب سبتة

التحقيقات امتدت أيضاً إلى شبكة السيارات المعدلة التي كانت تستعمل لنقل الحشيش عبر معبر باب سبتة. إحدى أبرز القضايا ارتبطت بسيارة هوندا أكورد ضُبط بداخلها 187 كيلوغراماً من الحشيش بعد إدخال تعديلات سرية عليها

تحليل الهواتف المحجوزة لدى المتورطين كشف تفاصيل دقيقة عن كيفية تجهيز السيارة وتحويلها إلى وسيلة تهريب متنقلة. الصور والفيديوهات والمحادثات الصوتية وثقت رحلة السيارة منذ خروجها من سبتة نحو المغرب، مرورا بتوقفها في مرآب قرب مسجد بمدينة الفنيدق، ثم إعادة تحميلها بالمخدرات قبل إرجاعها مجددا نحو المعبر الحدودي.

الاسم الذي ظهر بقوة في هذا الجزء من الملف الملقب بـ”حبيبو”، والذي يبدو أنه كان مسؤولا عن تنسيق عمليات النقل والتواصل مع السائقين. التسجيلات أظهرت أنه كان يدير التفاصيل الصغيرة بنفسه، من تحديد أماكن التوقف إلى إرسال التعليمات الدقيقة المتعلقة بالمفاتيح ومواعيد التحرك.

الملف يكشف أيضا أن الشبكة لم تتردد في استعمال أفراد العائلة ضمن عمليات التهريب، بما في ذلك الزوجات والأبناء وحتى كبار السن، لتقليل مستوى الشبهات الأمنية. بعض الصور المحجوزة أظهرت أطفالا يحملون أسلحة نارية ويلتقطون صورا داخل سيارات فارهة، بينما تضمنت تسجيلات أخرى تهديدات وصور مسدسات متداولة بين أشخاص مرتبطين بالشبكة.

كل هذه التفاصيل ترسم ملامح تنظيم لم يكن يعتمد فقط على المال والمخدرات، بل على بنية كاملة من الولاءات والخوف والصمت والانتقام. ومع تزايد الاعتقالات والانشقاقات الداخلية، يبدو أن الشبكة التي ظلت تتحرك في الظل لسنوات بدأت تدخل مرحلة الانهيار التدريجي، بعدما تحولت بعض أسرارها الأكثر خطورة إلى مادة أساسية داخل محاضر التحقيق الإسبانية.

يتبع ..