تحت القائمة

متقاعدو شركة التبغ… معركة الحقوق المؤجلة بين أحكام القضاء وتعقيدات التسوية

في وقت تنتظر فيه فئات واسعة من المتقاعدين والأرامل إنصافاً طال أمده، يعود ملف متقاعدي الشركة المغربية للتبغ ليطفو مجدداً على السطح، ليس فقط كقضية اجتماعية عالقة، بل كنموذج صارخ لصراع غير متكافئ بين متقاعدين يطالبون بحقوقهم وشركة كبرى تثير طريقة تدبيرها للملف الكثير من علامات الاستفهام.

فالقضية لم تعد مجرد خلاف حول تعويضات أو معاشات، بل تحولت إلى معركة مفتوحة من أجل الكرامة واحترام الأحكام القضائية. متقاعدون أفنوا سنوات طويلة من العمل داخل المؤسسة يجدون أنفسهم اليوم في مواجهة مساطر معقدة وتأجيلات متكررة، بدل أن يلمسوا أثراً فعليا للوعود التي قُدمت لهم بإغلاق الملف بشكل نهائي.

ولا يقل وضع متقاعدي معمل تطوان، الذي أُغلق سنة 2010، حساسية، إذ يشعر عدد كبير منهم بأنهم تم إقصاؤهم من مسار التسويات، رغم إحالتهم على التقاعد في ظروف استثنائية. هذا الإحساس بالانتقائية يعمق شعور الظلم ويغذي الاحتقان داخل هذه الفئة.

وكانت الشركة قد أعلنت في وقت سابق رفعا استثنائيا لما يسمى بـ“المؤونة المخصصة للمخاطر والأعباء” إلى حوالي 1.5 مليار درهم، وقدمت ذلك كخطوة تهدف إلى تسوية شاملة لملف المعاشات والتعويضات قبل نهاية سنة 2023. غير أن الواقع يكشف أن المبالغ التي صُرفت فعلياً لا تتجاوز 0.4 مليار درهم، أي أقل من ثلث المبلغ المعلن، وهو ما يطرح تساؤلات مشروعة حول مصير الفارق الكبير، وحول مدى جدية الالتزام بطي هذا الملف.

وبالنسبة للمتقاعدين، لا يتعلق الأمر بأرقام مجردة، بل بحقوق مادية ومعنوية تمثل خلاصة سنوات من العمل. ويؤكد العديد منهم أنهم اصطدموا بإجراءات إدارية معقدة ومتطلبات إضافية وُصفت في بعض الحالات بالتعجيزية، ما حول مسار التسوية إلى رحلة طويلة من الانتظار والاستنزاف النفسي.

الأكثر إثارة للقلق، حسب عدد من المتضررين، هو ما يعتبرونه التفافاً على الأحكام القضائية النهائية، من خلال الطعن فيها أو تأخير تنفيذها، رغم طابعها الإلزامي. وهو ما يضع مسألة احترام القضاء في صلب هذا النزاع، ويطرح تساؤلات حقيقية حول مدى التزام الأطراف المعنية بروح دولة الحق والقانون.

في المقابل، يثير حجم المؤونة المالية غير المصروفة تساؤلات ذات بعد مالي وضريبي، خاصة وأن هذه المؤونات تُخصم من الوعاء الضريبي. وهو ما يفتح نقاشاً حول ضرورة مراقبة مدى توظيف هذه الآليات في أهدافها الحقيقية، تفادياً لتحولها إلى امتيازات غير مبررة.

اليوم، لم يعد ملف متقاعدي شركة التبغ قضية فئوية ضيقة، بل تحول إلى اختبار حقيقي لمدى حماية الحقوق الاجتماعية واحترام الأحكام القضائية. كما أصبح مرآة تعكس طبيعة العلاقة بين بعض المؤسسات الاقتصادية ومسؤوليتها تجاه مستخدميها السابقين.