تحت القائمة

قراءة في كتاب ” الأدب والارتياب ” لعبد الفتاح كيليطو

✍️ يوسف خليل السباعي/ تطواني

1- القارئ عدو

عندما انتهيت من قراءة كتاب ” الأدب والارتياب” لعبد الفتاح كيليطو، والذي لم أقرأه مرة واحدة، بل قرأته مرات عديدة إلى درجة أنني نسيت كم مرة فعلت ذلك، تبادر إلى ذهني هذا السؤال: هل الناس كلهم أعداء الكاتب؟ في الحقيقة، لم أنتبه إلى أن صاحب ” لسان آدم” يجمع بين الكتابة والارتياب، بمعنى أنه إذا كان هناك ارتياب وأدب، فإن القارئ يضع فعلا الكاتب محل ريبة لمجرد أنه يكتب. لأطرح سؤالا آخر (والأسئلة كثيرة): هل يضع الكاتب اليوم في تصوره دلالات الارتياب في الأدب؟ ولكن الكاتب اليوم ليس هو الكاتب في الماضي، ثمة اختلاف بينهما. فالسياق التاريخي متغير، إلا أن الإجابة عن ذلك هو أمر يحتاج إلى دراسات وأبحاث دون أن يتم كل ذلك بمعزل عن الدراسة السوسيولوجية لمعرفة من هو القارئ، علما بأن الحديث هاهنا هو حديث عن قارئ مجهول. إن القارئ بالنسبة للكاتب مجهول، ومع ذلك فإن الجاحظ في زمنه كان يدرك أن “القارئ عدو” كما يرى صاحب الكتاب انطلاقا من فكرة للجاحظ. القارئ مجهول، ولا يمكن تحديده بتاتا، غير أنه من الممكن التعرف عليه من خلال سياقات ما، ولكن، مع ذلك، فإن الأمر مركب.

2- بلا تقديم

لنعد إلى كتاب ” الأدب والارتياب” لعبد الفتاح كيليطو ( الصادر عن دار توبقال للنشر ، الطبعة الأولى 2007، وذلك ضمن سلسلة المعرفة الأدبية)، إنه كتاب له إيقاع منفرد، ومسار دقيق. يحتوي فهرسه على نموذج، صورة البخيل بطلا، الرقيب، الدهر، العائد، في كل سنة كذبة، الليالي، كتاب ممل؟، الاغتراب، يوم في حياة ابن رشد، و، المتطفل: حي بن يقظان.

هذا الكتاب بلاتقديم، حيث يضحى القارئ وجها لوجه مع ” نموذج” وهو مقال عن الشعر والكلام والكتابة في النصوص القديمة وعداوة القارئ المتربص، ولم يكن الكاتب في حاجة إلى تقديم لكتابه هذا جاعلا القارئ يسرع ليلتقي بلهفة بعناوين وموضوعات ” الأدب والارتياب”، فالقارئ لا يحتاج هاهنا إلى تمهيد لأي شيء، فكل شيء بين يديه، وما عليه إلا أن يتناول هذه الأطعمة الشهية منتقيا هذا الطعام أو ذاك، فالقارئ له الحرية في تناول المأكل الذي يرغب فيه، ولا أحد يحد من حريته. هاهي الموضوعات أمامه، ولكن ما على القارئ سوى أن يفتح الكتاب ويبدأ في قراءة ما يرغب فيه.

إن الكاتب عبد الفتاح كيليطو يقوم في هذا الكتاب بدور الروائي الذي لايقحم تقديما لروايته المقسمة إلى عناوين تاركا القارئ شريكا له في إخراج المسكوت عنه من كل عنوان، من خلال الحفر في نصوص قديمة لمؤلفين ماتوا، و في نص” ألف ليلة وليلة” المجهول المؤلف، إلا أن متونهم باقية، ولاتنتظر سوى قراءتها كما يفعل عبد الفتاح كيليطو.

3- شهرزاد وشهريار

كيف يكون كل كاتب في وضعية شهرزاد، وكل قارئ في وضعية شهريار؟ كما يسأل صاحب ” لسان آدم”.
أسئلة من نوع آخر: كيف تكون العلائق بين الكاتب والقارئ؟ هل كل واحد يدافع عن وضعيته؟ ماذا تعني استعمالات الحيل بين الكاتب الذي هو شهرزاد والقارئ الذي هو شهريار؟

أقرأ هذا المقطع من الكتاب: ” إذا كان الناس كلهم أعداء الكاتب، فهل الكاتب من جهته عدو الناس كافة؟ على الأقل يعرف أنه محل ريبة لمجرد أنه يكتب، فكأنه مقترف لذنب يجب التكفير عنه؛ ولذلك تراه يتودد إلى القراء ويفاوضهم سعيا منه إلى استمالتهم وإضعاف شوكتهم وإبطال كراهيتهم. ولا أعرف مؤلفا اهتم بالقارئ العدو كما فعل الجاحظ، فهو يشركه في مشاريعه ويدعو له ( ” حفظك الله…”) (” أكرمك الله…”)، وفي كل لحظة يلتفت إليه ليتأكد من انتباهه ويذكي اهتمامه. إذا سلمنا بأن القارئ عدو، فالنتيجة الحتمية أن كل كاتب في وضعية شهرزاد، وكل قارئ في وضعية شهريار!”.