سألتها ذات مرة، وأنا غارق بين الكتب، باحثا عن كتاب” عن راسين” الذي لا أعرف أين وضعته، أين هو؟ ومع أنني فتشت عنه جيدا، إلا أن الكتاب لم يعد له أثر. وفي حقيقة الأمر، فإن الكتاب كان موجودا مع بقية الكتب، لكن يدا سرقته أوأخفته.
ليس من السهل معرفة هذه اليد. وحتى إذا فكرت في متابعتها، فإنها مختفية ومجهولة. ولهذا استسلمت لرفاهية الكسل الذي جعلني لا أولي اهتماما لكتاب ” عن راسين” الذي كنت قد قرأت نصفه. و من عادتي، أنني لا أقرأ الكتاب اليوم كاملا كما كان يحدث معي في الماضي كما هو حال بعض كتب طه حسين وعباس محمود العقاد ونجيب محفوظ وتوفيق الحكيم والطيب صالح ومحمد شكري ومحمد برادة و ألبير كامو ورولان بارت. وأغرب شيء حدث لي هو أنني قرأت رواية “الفريق” لعبد الله العروي كاملة من الألف إلى القاف، عفوا، إلى الياء، ولكن اسمحوا لي أن أفشي سرا أن الياء في ” الفريق” هي قبل القاف، ولكن هذه الرواية كانت بحثا فقط.
الأهم هو أكثر بكثير، فقد كان لابد لي من القيام بترجمة ” منطق الممكنات السردية” لكلود بريمون، لأن الأمر في البحث يتطلب فهم واستيعاب كيفية اشتغال الممكنات السردية في الرواية. وفي يوم من الأيام، عدت إلى مكتبتي بعد أن نفضت عني غبار الكسل، وكانت شراييني تدق وأنا أفكر في كتاب ” عن راسين” قلت في سري متسائلا:” لم لا أبحث عنه مجددا… فقد أعثر عليه!؟ وأنا أخرج الكتب وأضعها على الأرض، ثم أمسك بأخرى وأعيدها عثرت عليه فأحسست بفرح بالغ، وما إن فتحت أول صفحة على العنوان حتى خرجت لي منها نيكول كيدمان. لاتنخدعوا، ليست نيكول كيدمان بشحمها ولحمها، وإنما صورتها كنت وضعتها في الصفحة الأولى للكتاب ونسيتها. ولا أخفي عنكم سرا أنني غالبا ما أضع صورا داخل الكتب وأنساها، إلى أن أعثر عليها صدفة، أو عند إخراج كتاب لأقرأه. لكن، ما حيرني حقا هو مالم أكن أتوقعه حصل، وهو أن الممثلة في الصورة حركت شفتيها أو زعزعتهما ونطقت:” “ما يعطيني الأمل الآن هو هذه العبارة الإيطالية “Andrà tutto bene” والتي تعني “كل شيء سيكون على ما يرام” ثم، وضعت أصابعها ما بين عينيها وأنفها وشفتيها، وقالت: “خلال هذا الوقت أثناء إقامتي في المنزل، كنت أدرس اللغة الإيطالية التي أعطتني الأمل والعزاء والإلهاء، لطالما كنت في حالة حب لإيطاليا، لكن القدرة على إعادة اكتشاف اللغة في الوقت الحالي كانت نعمة إنقاذ بالنسبة لي”. أثار انتباهي ماقالته نيكول كيدمان: “كل شيء سيكون على مايرام”. فقلت في سري، وأنا أتأمل وجهها الجميل: ” الجملة ليست بريئة على الإطلاق”. بالطبع، إنها جملة تستدعي التفاؤل، ولكن هذا التفاؤل بمستقبل غامض، لكنه، بالنسبة للممثلة نيكول كيدمان هو تفاؤل في حدود الذات، لاينسلخ عنها.
والحقيقة أن الجملة هي في حد ذاتها ذات بعد حدودي، إنها جملة إيطالية، بمعنى أنها صادرة عن معجم لغوي إيطالي، له مرجعيته، وتاريخيته، ومفرداته، التي لن تكون مناسبة مع أي لغة أخرى”. ثم، سألت نفسي:” ما شأني أنا بتعلمها الإيطالية أو أي لغة أخرى!؟”. إلا أنني فكرت، وقلت:” هي، في النهاية، ممثلة، وليست كاتبة مسرحية مثل راسين”.
واستطردت وأنا واقف أمام مكتبتي أكلم نفسي:” جميل أن تكتب ممثلة أنها تتعلم اللغة الإيطالية، وتعترف بذلك، لأن هذا التعلم سيثري، حقيقة، رصيدها اللغوي. وبعيدا عن هذه الجملة الحلمية، فهي توجه رسالة ومفادها أنه ينبغي على الممثلين والممثلات، بل وعلى الآخرين، أن ينفتحوا على لغات أخرى، ويتعلموا لغات أخرى”.
والغريب في الأمر أنني أعدت الكتاب إلى ركن قريب حتى يكون على يدي، وذهبت فرحا، لأنني عثرت عليه بعد جهد، بيد أنني عندما عدت في الغد لأكمل قراءة النصف الثاني كان الكتاب قد اختفى، وبدأت أشك في أن الممثلة هي التي سرقته.
