تحت القائمة

قصة السبت : الميكروفون .. إهداء إلى روح الشاعر محسن أخريف

✍️ يوسف خليل السباعي

[ إلى روح الشاعر محسن أخريف وإلى الصديق الشاعر والصحفي محمد بشكار ]

كان المطر يوم الأحد يهطل بغزارة. استفقت باكرا. تناولت بعض الثمرات وكأس حليب بارد. ثم التقطت من مكتبتي كتاب ” إمبراطورية العلامات” بالفرنسية لرولان بارت وشرعت في قراءة بعض لوحاته وأنا أتأمل صور لعيون يابانية كانت قريبة الشبه من المحبرة. بعد برهة، أنزلت الكتاب على الأريكة بعد أن تذكرت أني على موعد للقاء الشاعر محمد الذي تأثر بالحادثة المؤلمة التي راح ضحيتها الشاعر محسن أخريف الأسبوع الفائت داخل خيمة.

كان هذا اللقاء سيكون عن هذه الحادثة.
خرجت من المنزل، وأنا رأسي عامر بأسئلة غريبة وغزيرة، ولكن ماكان يشغل بالي هو الميكروفون.
كان الشاعر محمد ينتظرني في مقهى” أميستاد” وهو يحتسي قهوة سوداء، ولم يكن من عبدة تدخين السجائر مثلي.

جلست بشكل معتدل، ولم أضع رجلا فوق آخر، بينما كان الشاعر محمد يتأمل محياي الزعفراني القريب الشبه بواجهة كنيسة تطوان كما لو أنه يقول في سره:” لاتفعل هذا مرة أخرى، لا أحب المتأخرين”.

اقترحت على الشاعر محمد أن ينطلق في كلامه مثل عداء الطائرة الورقية دون أن يهتم بالأسئلة، ذلك لأن الأجوبة هي في حد ذاتها أسئلة. فانطلق من الميكروفون. قال: ” الميكروفون الذي أجْهَز على حياة شاب وسيم في مُقْتبل الشِّعر والرواية المغربية بصعْقة كهربائية سَببُها سوء تدبير مُنظِّمي مهرجان عيد الكتاب السنوي بتطوان، هو ذات الميكروفون الذي يقتل الشعب في اليوم أكثر من مرة بخطب سياسية زائفة تُكبِّرُ مع الصوت الكذب رنَّاناً حتى فقَدْنا الثقة في أنفسنا..!”.
قلت:” لا أفهم لماذا لم ينتبه أحد… حتى أصدقائه لذلك…”.

تجاهل الشاعر محمد ما قلته وعاد للكلام عن الميكروفون، قال: ” الميكروفون الذي في عطَبِه عبوةٌ ناسفة، بَدَل أن يُوصل عاليا صوت مُحسن أخريف رحمه الله كتمه للأبد، كان ربما سيُكلِّمنا بدرس عن الحياة لا يكون إجْبارياً أو يخضع لتوقيت الحكومة الذي يحصي في كل دقيقة أنفاسنا من الجيوب قافزاً بالسنوات إلى وراء ليزيد بالفساد من تخلُّفنا، ولكن الشاعر عِوَض أن يُكلِّمنا ترَك قلوب الجميع مَكْلومةً حين تحوَّل من قصيدة إلى جثة هامدة..!”.

تذكرت أن المطر هو الذي منعني من الخروج من المنزل يوم الأحد… وكان صوت باطني مثل النار يجعلني عاجزا عن الخروج:” لاتخرج…”… تعرفون ذلك: لاتقتل، لاتسرق إلى آخره. كان سقوط محسن مثل سقوط شجرة تحترق في وضح النهار.

تأمل الشاعر محمد محياي، ونظر بعيونه المحبرية، وقال:” الميكروفون يقتل الشاعر في مثل الخيمة التي تَهُزُّ وتحُطُّ فوق زرابيه الشِّيخات لحومها راقصة على أكثر من واحدة ونصف ويا له من نصف يرتجُّ جبلا على إيقاع الدف، وعِوض أن تسقط إحداهُن ضحية تَماسٍّ كهربائي يؤججه الماء يَخِر المُولَعون تحت أرجلها تقبيلا..!”. قلت:” يا محمد… لم أقحمت الشيخات مع الميكروفون؟… لم يخرج صوتا، ولا نغمة، ولكنه نظر إلى كأس قهوته السوداء. رجه. ثم قربه إلى فمه وشفط منه شفطة صغيرة، وقال متأملا، ناسيا أني جالس قربه، وكأنه يوجه كلامه إلى محسن:” انظُرْ صديقي مُحسن من هناك فبصرُكَ اليوم حديد، انظرْ لبعض هؤلاء الذين انعتقتَ طليقاً من طينة بشرِيَّتهم فأنتَ هناك ملاك، بالأمس كان الشاعر يعْلنُ في كل المنابر عن موعد لإحدى أماسيه فلا يحضرها أحد، واليوم وقد صار من أهل المقابر جُثماناً شهيداً مُسجَّى كأي قصيدة تنتظر يوم النشور، يضربون لنا موعدا لتشييع جنازته فهم الحاضرون غفيرا شُهودا بدون عيونٍ على الفاجعة وهو الغائب اذهبوا جميعا للجحيم لن تدخلوا جنتي حتى تُعيدوا حقي بالإجابة عن كل الأسئلة المُقِضَّة التي تركت روحي مُعلقة فلا هي أرضٌ ولا هي سماءْ..!”.
وفجأة استغربت من محيا الشاعر محمد الذي كان يجمع بين الضحك والبكاء، وسألت نفسي:” أليست الحياة تجميع للضحك والبكاء معا؟… قال:” ومِمَّا لا نعرف معهُ أنُشرق بالضحك أو ننْهمر بالبكاء أو هُما معا ليرقص الذئب في عرسه، أن تنفجر هذه الفضيحة التي ما زلنا في غيبوبة من صعقتها دون كهرباء، في الوقت الذي تستعد فيه الحكومة لإقرار ضريبة يدفعها المواطنون عن الكوارث دون أن تكون لأحدٍ يدٌ أو رِجلٌ في إعصار أو فيضان، ألمْ تَكْفِ الحُكومة الضرائب التي ندفعها نتيجة سوء تدبير وزاراتها في كل القطاعات فانقلبتْ الصِّحة في غياب غطاء يًؤَمِّنها للمستضعفين إلى سَقمٍ، وصار تعليمنا أخرس بعد أن دسَّ صُناع الجهل في صغار العقول عود ثقاب أو عقاب يسْتعِر بالفتنة، فتعالى مع الصِّياح دخان الداعين للبحث بين قشِّ اللغات عن لسان يَصلُح للتدريس ولو التفتوا لوجدوه مُعلَّقاً عند أقرب جزار..!”. ودون أن يستريح استراحة المحارب، قال:” الحكومة بِكُل هذه الاختلالات الاجتماعية التي حوَّلت العيش الكريم إلى جحيم هي أمًّ الكوارث فهل المفروض أن ندفع أيضا الضريبة عن أخطاء تقترفها في حقنا، أليس نموذج المِيتة البشعة المدعومة من مديرية وزراة الثقافة بجهة الشمال والتي أوْدتْ بحياة الشاعر محسن أخريف، أكبر كارثة في تاريخ البقرية إلى جوار باقي الجرائم المُقترفة يوميا في حق الأبرياء بسبب الاهتراء الذي خرَّب مع الأرواح كل البنيات التي تَزِلُّ لموطئها أقدامنا فلا نعرف لماذا مازالت في بلدي تُسمَّى بِنيات تحتية وهي بأنقاضها فوقنا..!… كل هذه الكوارث غير الطبيعية التي تقترفها الحكومة بما فيها كارثة إهدار مجاني لحياة شاعر؛ قولوا من سيدفع هذه المرة ضريبتها ربما الميكروفون؟”.فكرت، وقلت في سري:” إن أصغر شيء يمكن أن يقتل بسهولة، ولكن ليس الميكروفون الذي قتل محسن أخريف، بل الإهمال والجهل والتهور والبخل”.

لا أظن أن الشاعر محمد سمعني، فقد كان صوت باطني مثل النار هو الذي تكلم.

تأمل محياي الزعفراني، ثم تساءل:” لأتساءل فقط لماذا هذا الميكروفون قتل الشاعر ولم يقتل من يُروض في مزماره مع الأفاعي الصوت بالخطابات السياسية الزائفة التي يتناسب لحنُها مع الوتر الحساس مُستغِلا ضُعف الناس؟”.

وأدركت بحدسي أن الشاعر محمد نسي أني جالس قربه، بل قد يكون صوت باطني مثل النار هو من كان يكلمني، لكن كأس قهوته السوداء فوق المائدة.
قبل أن أنهض… وأخرج من مقهى “أميستاد”عائدا إلى المنزل كان الشاعر محمد قد اختفى، لكنه ترك فوق المائدة وصية مكتوبة في ورقة مطوية. عندما فتحت الورقة، قرأت:

” أوصيك أيها الشاعر وصيةً كتبها الأموات بليغة للأحياء، إذا دُعيتَ لمهرجان كالذي مسخ أعياد الكتاب في تطوان إلى حداد، لا تقرأْ القصائد في خيمة، فالذي نَصَبها قد نصبَ تحت زرابيها وهو يتصبَّبُ مطراً أسلاك كهرباءٍ عارية ملغومة وخرج من سرادق الخيمة مائلا..!”.

أعدت الورقة إلى المائدة ليتسنى لآخرين قراءتها قبل أن يضعها النادل في سلة المهملات، ثم خرجت من مقهى ” أميستاد” وصوت باطني، يقول:” أيها الأحمق، لم يكن أحد جالس معك، وأن كأس القهوة السوداء أنت من كنت تشربه”.