من أين نبدأ مع الكاتب المتعدد عبد الإله حبيبي؟ قد يقع المرء في حيرة أول الأمر. فكتاباته ثرية إلى حد لايوصف. وأذا كانت الكتابة تمر عبر الجسد كما يقول رولان بارت، فهذا ما نكتشف عند عبد الإله حبيبي، الأمر الذي يخلق لدينا متعة. فمرة تراه غائرا في الفلسفة وآفاقها وأسئلتها القلقة والمقلقة، ومرة أخرى ذائبا في القصيدة، حيث يكتبها بالفرنسية. وهو يكتب الرواية بشكل فرداني مختلف. وحينما نراه يعزف قطعة موسيقية نلمس هواه وولعه وشغفه بالموسيقى. إنه مبدع ومنتج أدبي ومثقف يكتب بجسده ويحفر في ذاكرته ويستخرج تفاصيل الطفولة والكائنات وكل ما يعرفه ويحلم به.
عبد الإله حبيبي روائي وشاعر وباحث. يقيم بتطوان. يكتب الشذرات وهي من أصعب وأعمق الكتابات.
إن عبد الإله حبيبي يعيش بين أطراف الكتابة والحياة مثل ذلك اللاعب الهوائي المغامر في السيرك الذي يمشي على الحبل دون أن يخشى من السقوط؛ هكذا، كتب ذات يوم: (” سألني صديقي عن هذا الأبدي الذي تحتفل به أشعاري، هل يمكن له أن يتجلى أو ينكشف: كان جوابي في هذا النص المختصر جدا…
“قد نراه في انهمار المطر، وهبوب الريح، وصمت القمر، وقلوب العاشقين، وهشاشة الراحلين هدوء المقابر، وفراغ الطرقات، وفي اندفاع الأفق نحو لانهايات…في مآقي اليتامى، على جدران خراب الحروب، على أبواب البيوت المهجورة، صباحا قد نصادفه وحيدا على الكراسي الخشبية للحدائق العمومية، فوق القمم المستحيلة البلوغ، حينما يشتعل الرأس شيبا، وفي زوايا المنبوذين، ليس له لون مضبوط، ولا وجه مألوف، ولا ملامح ثابتة، يشبه العبور، المرور، والذبول، الرحيل والترحال ويقترب من صورة السقوط، لكنه لا يترادف والموت، ولا يجاور العدم، لأنه مجبول بالفطرة على مرافقة نسائم الألوهية وتعقب الربوبية في كل الأحوال والأزمان… هو الكون الهارب نحو العود الأبدي….”).
رحمة الله على عبد الإله حبيبي وصبرا لعائلته الصغيرة والكبيرة.
