الناقد رشيد الأشقر في حوار مع الكاتب يوسف خليل السباعي حول القصة القصيرة جدا
حاوره : رشيد الأشقر

رشيد الأشقر : لاحظت في منشوراتك الأخيرة ميلك إلى الكتابة تحت ما يُسمّى بأدب «القصة القصيرة جدا» !
لستُ أدري كيف تنظر إلى هذا الصنف من الكتابة الأدبية المثيرة للغط والاستباحة في ثقافتنا العربية الحالية؟
عموما، ألمس في نصوصك التي نشرتها تحت هذا التجنيس كثيرا من ملامح هذا الأدب الجديد كما حدّدته وصنّفته الدراسات الغربية، خاصة منها المكتوبة بالإسبانية.
يوسف خليل السباعي: في قصصي التي نشرتها في كتب كنت أمزج بين القصص القصيرة والقصص القصيرة جدا. كنت أرتعب من جمعها في كتاب خاص بالقصة القصيرة جدا كما فعل بعض الكتاب. في حقيقة الأمر يتبين أن كتابة القصة القصيرة جدا سهلة، لكنها مركبة. إنها تقوم فعلا على التكثيف والتقطير و الحذف، إلخ… وكذا على الكتابة الدقيقة، ولكنها تقوم أيضا على الحادثات والطيات والترميزات والكتابة التي تلتصق بأنف الصفحة كما نجدها في كتابات رولان بارت الأخيرة ولو أن هذا الأخير يفضل الهايكو واليوميات، والكتابة الشذرية من خلال لويحات، ونجيب محفوظ في كتاباته الأخيرة التي كان يمليها ولم يكتبها بخط يده. لكن الإشكالية في هذه الكتابة هو تحديد جنسها الأدبي. ومع ذلك إنهم يسمونها القصة القصيرة جدا.
إن الكتابة الإبداعية قد تتجاوز بعض القواعد والمحددات النظرية…، لكنها تستفيد منها أيضا. نحن لم نصل أبدا إلى نظرية عربية في الأدب، إلا ما حفل به تراثنا من أساليب ومفاهيم كانت تطغى عليها البلاغة، ولا حتى نظرية في النقد الأدبي عربية. نحن فقط نأخذ ما ينتجه الآخر، ونكيفه حسب هوانا ومنتوج خيالنا وتأويلنا.
رشيد الأشقر: في نصيّك الأخيرين (النجيب) و(غابو على السرير)، فأنت تؤسس لنمط من القصة القصة القصيرة جدا يسميها النقد الغربي (اللاتيني على وجه التحديد) بـ «القصة القصيرة التناصية Minificciones intertextuales»، وهو أحد الأنماط الأساسية في الكتابة القصصية الوجيزة إلى جانب أنماط أخرى كالقصة «الميتاسردية» و«الفانتازية» و«العبثية» .. فضلا عن البوليسية و المثيرة للرعب وغيرها!
ومن سمات هذا النمط «التناصي» استدعاء شخصيات وحكايات ومؤلفات من التاريخ الأدبي أو الديني أو الأسطورية، ثم إعادة كتابتها بغاية نقدها أو محاورتها أو السخرية منها. ومن مزايا هذا التوظيف المرجعي في تأثيث فضاء النص، المساعدة على تفعيل مهارات الإيجاز والتكثيف والحذف والإيحاء .. وهي من مستلزمات الكتابة القصصية المضغوطة Compact Writing، غير أن ذلك يحتاح دائما إلى قارئ منتج يستطيع ملء الفراغات واستكمال الدلالة والجرأة على التأويل.
وبناء عليه، فإن نصّيك المذكورين سابقا ينتميان بامتياز إلى هذا النوع من الكتابة القصصية «التناصية»؛ ففي نص (النجيب) أنت تستحضر روايتين من أكثر رواياته إثارة للجدل في المسيرة الروائية لنجيب محفوظ (أولاد حارتنا وملحمة الحرافيش) .. أما في (غابو على السرير) فأنت تلتقط بكل ذكاء وبراعة الواجهة الأمامية للطبعة العربية لسيرة غابرييل غارسيا ماركيز «عشت لأروي»، لتحبك بواسطتها حكاية «تناصية» ممزوجة بنكهة «فنتازية» و«غرائبية» بالغة التشويق والجمال.
أشرت في تعليقك إلى مسألة في غاية الأهمية تتعلق بالتداخل القائم بين «القصة القصيرة» و«القصة القصيرة جدا». وهي مسألة خلافية بين كبار المنظرين لهذا الفن في الآداب الغربية، كما يتعارض بشأنها النقد الأنغلوساكسوني بالنقد اللاتيني، وهو خلاف يمتد من مسافة السطر الواحد إلى الصفحة الواحدة، وهذا ما يعمق من أزمة الحدود «الوهمية» الفاصلة بين النوعين السرديين المذكورين.
في تقديري المتواضع، أن معيار «الوجازة» حاسم في مثل هذا الخلاف، فكلما كان النص وجيزا كلما اتضحت نسبته إلى أدب القصة القصيرة جدا. فالأمر يتعلق هنا بخاصية «الوجازة» التي تشكّل جوهر هذا النوع الأدبي الذي لا يحتمل الفائض من الكلام، أو بعبارة الشيخ النفّري الشهيرة: (كلّما اتّسعت الرؤيا ضاقت العبارة).
المشكل أن نقدنا العربي، ومعه ممارستنا الإبداعية الراهنة، لم يفلحا (لحد الآن على الأقل) في استنبات هذا النوع من الكتابة الأدبية استنباتا سليما داخل بيئتنا الثقافية والأدبية. فقد شاب هذه العملية كثيرٌ من التهافت والتدافع والاستسهال الذي أضر بفهمنا واستيعابنا لهذا المولود الأدبي الذي قُدّر له أن يُولد «لقيطا» في مجتمع لا يقلّ عنه «لَقْطاً» !!
يوسف خليل السباعي: في حقيقة الأمر، إن كتابة القصة القصيرة جدا، ليست مسألة سهلة، بل هي مركبة. السؤال هو كيف يعبر الكاتب بافتتان عن لقطة، أو مشهد، كما هو الحال في السينما، في كلمات وجيزة، هذا التحويل هو الأصعب.
يمكن للقصة القصيرة جدا أن تنبثق من حلم، ومن صورة، ومن مايسمع ويرى من ” واقع ما”. إن هذا التحويل إلى الكلمات والأسماء هو الجوهري.
من ناحية أخرى، لقد أصبحت قراءة رواية ضخمة أو قراءة مسرحية أمر في غاية الصعوبة. من يقرأ كل شيء اليوم. ولهذا هناك قراءة بالقفز والوثب. حتى بالنسبة للنقاد لايستطيعون اليوم القراءة الكاملة.
إننا نعيش اليوم في خضم بحر متلاطم من الأمواج التي لايفلت منها أحد: عصر التطور العلمي والتكنولوجي الحديث، وهذا يؤثر على القراءة والكتابة في آن معا.
القصة القصيرة والقصة القصيرة جدا هما القادران على مسايرة هذا العصر واستيعاب مكوناته بهذه الصورة أو تلك، على الرغم من تهميشهما.
