تحت القائمة

قصة السبت .. جمال مرعب

يوسف خليل السباعي / تطواني

دخل وجه مشوه ذات صباح مشمس إلى المقهى، لم يخشاه أحد من زبائنها. جلس على كرسي وقرب المائدة إلى نصف صدره. كان حذاؤه متسخا لم يمسحه من الغبار لمدة طويلة لا يمكن إدراكها. قد تكون تمتد لقرون طويلة.

لا أحد من زبائن المقهى سبق له أن شاهد مثل هذا الوجه، ولم يظهر أبدا شبيها له في أفلام الرعب.
قال الزبون الأول للزبون الثاني:
– هذا الوجه مرعب جدا.
فقال الثاني:
– إنه مقرف.
كان الوجه المشوه ينظر إلى الزبائن بغضب، لكنه لم يبتسم أبدا.
حملق النادل بحيرة في الوجه، اقترب منه وسأله بارتباك:
– هل… تشرب… شيئا؟ ماذا… تش…رب؟
لم ينبس الوجه… صمته كان مثل صمت الغابات والجبال. وفي لحظة عابرة تدلى لسانه كأفعى.
ارتعب النادل، وعاد إلى الكونطوار. وطلب من البارمان قهوة سوداء خفيفة، وهو يقول في سره:” اللهم اجعل لسانه خفيفا علينا، واجعل هذا اليوم يمر بسلام”.
مرت دقائق.
وضع النادل كأس القهوة الزجاجي اللامع على المائدة الرمادية وعاد إلى الكونطوار وهو يحملق في الوجه المشوه.
كان زبون في المقهى يقرأ بالفرنسية رواية ” السقطة” لألبير كامو. كان مندمجا في القراءة كأنه يبحث عن وحدة الرواية، لكن شيئا ما كان يفلت منه. عندما رفع رأسه رأى الوجه المشوه فوضع الكتاب على المائدة الرمادية. نهض الوجه وأخذ الكتاب وابتلعه دفعة واحدة، ثم عاد إلى مائدته. أخذ ورقة كلينكس من العلبة ومسح فمه.
لم يفهم زبائن المقهى ماذا يحدث.
قال زبون ثالث:
– ماذا يحدث؟ ماذا يحدث؟
قال زبون رابع:
– إنه وحش.
قال خامس:
إن له لسان أفعى.
قال سادس:
إنه ليس مثلنا.
أما الزبون السابع فقال:
– إنه ليس كل ذلك. إنه كاتب.
استغرب الزبون الثامن، وقال:
-ألا يكون ملاكا؟
استبعد الزبون التاسع أن يكون كاتبا أو ملاكا، وقال وهو يحملق في الشبح:
– إنه شيطان، ولايجادلني أحد في الأمر.
الزبون العاشر ذو الشعر الأبيض، حاول أن يقترب من الوجه ليتفحصه، إلا أن الشمس الحارقة اخترقت عيونه، فتراجع، وقال:
– إنه فيلسوف.
ضحك جميع الزبائن على ” فيلسوف” لأن المغاربة لم يعرفوا فيلسوفا سوى ابن رشد. أما عندنا فلا يوجد فيلسوف.
بعد فترة قصيرة.
دخل الزبون القصير. فنان معروف. سأله النادل:
هل تعرف هذا الوحش؟
قال: لا أعرفه. ولكنني قد صادفت أشباهه. إن وجوها كهذه توجد في كل مقهى ومطعم. وفي كل إدارة وشركة. كما توجد في الشارع والبحر. في الأرض وفي السماء.
قال: النادل:
– لن يكون إلا شيطان رجيم.
ضحك الفنان، وقال:
– إنه فاسق.
قال النادل:
– أعوذ بالله من الشيطان الرجيم. اللهم نجنا مما نخاف.
قال له البارمان.
لاتخشى… لاتخشى… شيئا… إن الله معنا.
قال الفنان القصير:
– هذا الوجه… جالس في المقهى، لكنكم غير قادرين على الإمساك به. إنه وجه من الوجوه، التي لن تجلس معكم.
قال البارمان:
– ليس لنا الحق في طرد الزبائن وإن كانوا وحوشا. لقد ابتلع هذا الوجه كتاب الزبون. هذا شأنه وشأن الزبون، ولكننا لن نتدخل إلا إذا ابتلع الكراسي والموائد والكؤوس.
ضحك الفنان، وقال:
– ماذا لو ابتلعنا جميعا؟
تسمر البارمان في مكانه كأنه دمية، وابتلع النادل ريقه وغدا وجهه كإسفنجة مطبخ صفراء، وتجمدت عروق الزبائن ودمائهم كأنهم تماثيل من الشمع، فقال الفنان:
– إنه وجه كان في الماضي، وهو في الحاضر، و سيكون كذلك في المستقبل. إنه وجه لانألفه، ولانقبله، لأنه وجه حقيقي. هو مشوه حقا، ومرعب إلى حد الفزع، ولهذا… لاترغبون في أن يكون معكم. ببساطة، لأن هذا الوجه يعري تشوهكم، ويكشف عن ضآلتكم. بل إن هذا الوجه ليس إلا ذلك اللاشعور الذي يخيفكم إظهاره. ذلك الباطن الشرير فيكم. إنه، بكلمة واحدة، قبحكم.
اقترب الفنان من الشبح وهو يتفحصه جيدا، قال:
– أنظروا إليه جيدا. إنه جمال مرعب.
في هذه اللحظة دخلت فتاة رقيقة المظهر، ذات عيون رمادية، وجلست. أشعلت سيجارة وينسطن. طلبت قهوة بالحليب وشرعت تحملق في الشبح. لقد أدركت من عيون الزبائن المستغربة والحائرة أن الزبائن يريدون أن يعرفوا ويتعرفوا على الوجه الشاذ والغريب، فقالت:
– إنه قمر، وهو أحب لي منكم.
لم يفهم أحد شيئا.
في هذه اللحظة، مسكت الفتاة الشبح من ذراعه اليسرى وخرجا معا، فيما بقيت النظرات تتابعهما، إلا أن الغريب أن كأسا قهوتهما كانا فارغين.

● اللوحة للفنان التشكيلي يوسف الحداد