تحت القائمة

يوسف مجاهد يكتب .. الحق في السكن اللائق

ليس من باب المبالغة القول بأن مسالة السكن الالئق تعد مدخال مهما الحتضان بعض المشاريع التنموية المهمة والتي تهدف أساسا إلى تنظيم المجال العمراني، وجلب الاستثمار، وتوفير ظروف العيش الكريم للمواطنين والمواطنات، من خلال ضمان الحق في مستوى معيشي مناسب، بما في ذلك الحق في السكن اللائق.

وبالتالي فقد تم الاعتراف بهذا الحق كعنصر من عناصر الحق في كرامة الإنسان وفي العيش المناسب في الإعلان العالمي لحقوق اإلنسان لعام 1948، وفي العهد الدولي الخاص بالحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية لعام 1966، ومنذ ذلك الحين اعترفت معاهدات دولية أخرى من معاهدات حقوق الإنسان أو أشارت إلى الحق في السكن اللائق أو بعض عناصره، كما أن مجموعة من الدساتير تحمي هذا الحق أو تشير إلى مسؤولية الدولة في كفالة الإسكان وفي مستوى معيشي لائق للجميع، ومنها الدستور المغربي الذي ينص في الفصل31 على ” تعمل الدولة والمؤسسات العمومية والجماعات الترابية، على تعبئة كل الوسائل المتاحة لتيسير أسباب استفادة المواطنين والمواطنات على قدم المساواة، من الحق في السكن اللائق “.

وكما هو معلوم تعد حقوق الإنسان حقوقا مترابطة وغير قابلة للتجزئة، كما يتوقف بعضها عن البعض الآخر بمعنى انه قد يؤثر الحق في السكن اللائق على طائفة واسعة من حقوق الإنسان الأخرى والعكس صحيح. فالحصول أو التوفر على سكن لائق يعد شرطا مسبقا للتمتع بعدد من حقوق الإنسان، كالحق في العمل ،الصحة، التصويت والخصوصية والتعليم. كما يمكن أن تتأثر إمكانية كسب العيش بشكل كبير بسبب عملية إعادة الإيواء أو إعادة الإسكان أو إعادة الهيكلة، وكذا مختلف البرامج الحكومية الهادفة إلى تحسين المشهد العمراني أو تلك الرامية لخلق مشاريع تنموية. وقد رفع المغرب منذ الاستقلال بشكل تدريجي، شعارات تتماشى وخطاب اللامركزية والديمقراطية المحلية والجهوية المتقدمة واحترام مبادئ حقوق الإنسان كما هي متعارف عليها عالميا.

فهل استطاعت التجربة المغربية، التوفيق بين بلورة المشاريع المرتبطة بمعالجة السكن غير اللائق، واحترام مبادئ حقوق لإلنسان؟. هل عملت السياسات العمومية في مجال معالجة السكن غير اللائق بدمج أهداف التنمية وتوفير ظروف العيش الكريم في إطار سياسة متجانسة، ونهج سياسة إعالمية منفتحة عبر إشراك السكان في برامج التهيئة المحلية ؟. ما هو التطور الذي عرفته المؤسسات الحكومية المتدخلة في قطاع السكن على المستوى الوطني؟ وهل نحن في حاجة إلى تعزيز المنظومة أو إعادة النظر في مسارها؟. متى أصبح السكن غير اللائق مشكلا عموميا؟ ومدى أهمية تأثير التحولات الاجتماعية والديموغرافية، وكذا الاستحقاقات الدولية للمغرب ارتباطا باحترام حقوق الإنسان، وضرورات الإقلاع الاقتصادي على ضوء ما أصبحت عليه مؤشرات التنمية البشرية من أهمية؟. هل بالإمكان معالجة السكن غير اللائق وضمان كرامة المواطن في ظل الشروط الحالية للتمويل؟. هل يمكن الحديث عن خصوصية مغربية في مجال معالجة السكن غير اللائق، أم أن الحق في السكن على غرار باقي حقوق الإنسان لها مرجعيات وغايات متعارف عليها عالميا؟. وبخصوص مسألة الحكامة في قطاع الإسكان، هل لدينا مجتمع مدني مؤهل في هذا المجال؟ وهل الجماعات الترابية في المغرب تتوفر على الإمكانيات القانونية والمالية للتصرف كشريك؟

هناك مجموعة من التحديات المطروحة على المغرب الذي يجب العمل على تجاوزها، إذ يتعين على اقتصادنا أن يستجيب لمتطلبات الشراكة والاتفاقيات الدولية، إذ أصبحت المنافسة هي القاعدة المتحكمة في عدد من الأنشطة المتنامية، وبالتالي لن تنحصر مهمة التأهيل على المستوى المقاولاتي فقط، بل ستمتد إلى محيط المقاولة، أي إلى المدينة وإلى التجهيزات الاجتماعية وتلخدمات والتكوين والنقل إلخ … كما أن المجتمع المغربي الذي يتسم بفوارق اجتماعية شاسعة، مدعو إلى التسلح جيدا لمواجهة أثار العولمة، التي ستزيد من تهميش المجالا الترابية المفتقرة إلى القدرة التنافسية، وستضرب في الصميم مستوى الاندماج الاجتماعي، وفي هذا السياق المناط من تحقيق العدالة الاجتماعية والمساواة في التعامل مع المواطنين عبر ضمان سبل العيش الكريم في احترام تام لمبادئ حقوق الإنسان كما هو متعارف عليها عالميا.

هذه التحديات تفرض على الجميع، دولة وجماعات ترابية، وفاعلين اقتصاديين ومجتمع مدني وباحثين، أسلوبا جديدا في الرؤية وفي العمل، وفي اعتماد مقاربة مناسبة ألنماط التدخل، تراعي الحقوق الاقتصادية والاجتماعية والثقافية للإنسان، وجعل ميدان معالجة السكن غير اللائق شأنا عموميا، وليس باستشارة شكلية حول قرارات جاهزة، يطل من المتحاورين تبنيها والمصادقة عليها، بل عكس ذلك يتعلق الأمر بحوار ديمقراطي يحدد الاختيارات الكبرى والتوجهات الاستراتيجية، مع التفكير في الوسائل الكفيلة بتنفيذ هذه الاختيارات. هذا ما من شانه تحقيق العدالة الاجتماعية، ومحاربة الفوارق الاجتماعية الصارخة، ضمانا لوحدة المجتمع وتأسيسا لدولة الضمانات، ومن أجل وضع حد لمظاهر البؤس وإحياء روح الأمل.

من الطبيعي أن تكون من مهام الدولة وضع تصور لمعالجة السكن غير اللائق وتحقيق العدالة الاجتماعية والمجالية، وحس طبيعة مباشرة الدولة لهذه الوظائف تتضح طبيعة السياسة الاجتماعية المتبعة، وتبدو أن هناك مجموعة من الإصلاحات تطرح هنا أو هناك، قد تبدو للوهلة الأولى مجرد إصلاحات إدارية وتقنية، إلا أن سرعان ما ندرك أنها أعمق من ذلك، وأن الأمر يتعلق بإصلاح المقاربة التي تتبعها الدولة نفسها، وبتحولات تمس وظائفها الاجتماعية المتعارف عليها.

كما يجدر التنبيه إلى تجاذب السياسات الاجتماعية الذي يعرفها العالم اليوم بين نظريتين متعارضتين، إحداهما تدعو إلى الحفاظ عن المكاسب الاجتماعية لدولة العناية في إطار عولمة مؤنسنة، والأخرى يأخذها حنين الماضي إلى الدولة الدركي المتحللة من االالتزامات الاجتماعية، التي تعترض الحاجات الأساسية للفرد والمجتمع ضمن خضم قانون سوق لا يرحم يتعلق الأمر إذن بموضوع يخضع لتأثيرات متعددة ومتداخلة ذات أبعاد وطنية ودولية، موضوع لا يقبل الركون إلى المقاربة القانونية الصرفة فحسب، بل يتجاوزها ويتعداها ليشمل الشق الحقوقي، السياسي، الاجتماعي، والاقتصادي.

وقد حاول المغرب جاهدا تحسين الإطار المعيشي للسكان، عبر تبني مجموعة من البرامج الحكومية، الهادفة إلى تجهيز الأحياء الناقصة التجهيز، والتدخل في ترميم الدور الآيلة للسقوط، وبرامج إعادة الهيكلة، وبرنامج مدن بدون صفيح الذي انطلق منذ سنة 2004. حيث اختلفت التدخلات حسب طبيعة كل مجال معين، بتبني إيقاعات مختلفة ومتفاوتة، برامج عرفت النجاح، وأخرى تعثرت أو لازالت متعثرة، برامج وإجراءات مسطرية وإدارية وتقنية واكبتها احتجاجات رافضة لنمط التدخل في العديد من المدن والأقاليم، إما بسبب عدم رغبة السكان في الانخراط فيها، أو بسبب عدم القدرة عن تحمل تكاليف العيش الإضافي أو بسبب عدم احترام مبدأ التشاور والحوار إلخ.

فهل التجربة المغربية في مجال معالجة السكن غير اللائق، استطاعت الموازنة أو التوفيق بين تفعيل البرامج واحترام مبادئ حقوق الإنسان.