تحت القائمة

وجوه أدبية .. كتابات محمد شكري ليست ركيكة ولكنها لمسة ونظرة

يوسف خليل السباعي/ تطواني

إن كتابات محمد شكري ليست كتابات ركيكة، كما يقول بعض المعلقين… وبطبيعة الحال، كل واحد حر في تعليقه، وإنما هي كتابات إشارية.

أول شيء أود أن أشير إليه وأنا بصدد الحديث عن كتابات شكري انطلاقا من قراءتي الخاصة وإدراكي لكتاباته هو أنني أضع ” كتابات” بصيغة الجمع وليس المفرد.

قد يسألني أحدهم لماذا؟ لأنها تتشابك وتختلف في الوقت ذاته سلبا وإيجابا مع كتابات ألبير كامو ودوستويفسكي ومحمد زفزاف وإدريس الخوري ومحمد برادة وعبد الجبار السحيمي في كونها تلتقط تفصيلات الواقع من منظور التجزيء والتقطيع والنظر. إن هذه الكتابات لاتقتطع من الواقع إلا ماتراه وتحلم به لتجاوزه إلا أنها تتجمد في الجملة…. يغدو أساس كل هذا المكتوب والمنسوخ والماوراء وليس المقروء انفكاكا وانفصالا دقيقا، بمعنى أنه صورة مطبوعة في الذهن. إن كل كتابات محمد شكري هي ناجمة عن صورة مطبوعة، لكنها غائبة، ولايتم استحضار إلا أجزاء منها. هكذا يغدو الكاتب الذي يوهمنا بأنه يحل محل القائم بالسرد هو ” أنا” محمد شكري ليس إلا شخصية روائية وتخييلا.

إن كتابات محمد شكري لاتنسخ الواقع، الذي هو زئبقي؛ منفلت؛ مغيب. وإنما أثر الواقع في أبعاده التجزيئية كما هو حال الشظايا. إن كتابات شكري،(المبينة في جمله المنفجرة والمتشظية والجسورة، الطويلة والقصيرة، التي تتشكل من خلال البناء السيرذاتي- الروائي- كأفق خيالي للخطاب)، هي ضد الحياء، لكنها ترسم جرحا ككتابات أوديبية، فهي ضد الأب، وضد كل سلطة تمنع وتقمع وتضطهد وتستغل… ضد مرحلة برمتها تفشى فيها الجوع والفقر والبؤس والعوز والحرمان والتهميش. كل هذا من خلال تطويع اللغة والاشتغال عليها بطريقة إشارية شفيفة… خارج كل زخرفة وزينة.. حيث تغدو الجملة منفجرة وفاضحة وكاشفة لخلق المتعة والزوغان…

محمد شكري مر في حياته من أطوار صعبة وقاسية سببت له الألم، وكان الجرح عميقا، ولكنه استطاع أن ينقذ نفسه من خلال تعلم القراءة والكتابة بشكل ذاتي وبمعاونة الآخرين وهذا ليس عيبا، إلا أن هناك أخطاء لا أحد ينجو منها في الحياة، كل إنسان له أخطاء… قد يدفع ثمنها غاليا، إلا أن هناك من يسببها. ففي النهاية، ليس الخطأ جريمة، وإنما هو تجربة. وكتابات محمد شكري لم تكن كتابات وهمية، وإنما كتابات فاضحة، ليست أخلاقية، ولكنها كتابات تسم القارئ. ولهذا خرج علينا هؤلاء الناس بالقول، ومن خلال الاعتماد على بعض المقاطع من “الخبز الحافي” بأن كتاباته ركيكة.

وصفوة القول إن على هؤلاء أن يعيدوا قراءة كتابات محمد شكري بنظرة جديدة، وأن لايحكموا عليه من خلال مقاطع أو جمل… لأن الكاتب حر… هو يتأثر ويؤثر… نحب أن نمسك بوجهه، كما يحب هو أن نقرأه، إلا أن محمد شكري لانستطيع أن نمسك بوجهه دفعة واحدة.
في فيلم الخبز الحافي يظهر محمد شكري في المشهد الأخير وهو يلمس بيده شاهد قبر أخيه عبد القادر شكري. إن لمسة اليد هذه وتلك النظرة الملغزة لمحمد شكري هي نظرته لنا ولذاته وللعالم.

كل حي يموت، ولا تلبث سوى اللمسة والنظرة إما كأثر أو كجرح.