في يوم العيد الكبير رحل الشاعر عبد الرحمن إلى قرطبة… لم يكن يرغب في رؤية الدماء… ولا الخرفان… ولم يبتاع من العربي كما هي العادة كل عيد الخروف الملائم… ولم يعرف قراء دواوينه الشعرية ما معنى الخروف الملائم وأدركوا بفطنتهم أن ثمة شيء ناقص أو فارغ أو ملتبس… فهل الملائم تعني الموائم أو المناسب؟ هل يتعلق الأمر بتناسب أوبتماثل؟ ولم يهتدي هؤلاء القراء لدواوينه الشعرية إلى المعنى، بسبب أن الشاعر عبد الرحمن لايفشي أسراره، وهو رجل قرأ قصائد لشعراء كبار كامرئ القيس والشنفرى وأبي نواس والمتنبي وأبي تمام كما قرأ للسياب وأدونيس ومحمود درويش ولسميح القاسم، ولم يقرأ للبحتري ولالبشار ابن برد، كما أنه قرأ لعنترة ابن شداد والخنساء ووفاء العمراني وفاطمة الزهراء بنيس… بالصورة نفسها، لم يفهم بعض ناشري دواوينه عن أي سماء زرقاء يتكلم وعن أي قطة بيضاء ولم يفهموا ماذا يقصد بالوردة في قصائده التي ملأت قاعات قرطبة وأسقفها بالتصفيق، مع أن الشاعر عبد الرحمن الذي كان يلقي قصائده في قرطبة لم يفهم كيف وصلت إلى قصر الحمراء… وصادف – كما حدث الرواة الطيبين- أن أميرا من كتب التاريخ كان هناك… فسمع قصائده تمدح الجدران والأسود والقمة… فأمر بالإسراع بإحضاره إلى غرناطة كما يتم تحضير الشياطين… فجلبوه بسرعة البرق إلى مجلسه بقصر الحمراء الشاسع. كان الأمير يرتدي جلبابا مغربيا وبلغة صفراء… وكانت لحيته سوداء خفيفة… أما هو، فكان يرتدي بيجامة نوم حمراء… أدرك الأمير التاريخي- الذي لم يحدد الرواة الطيبون إسمه- أن تابعيه وأعوانه الخاضعين له قد أخرجوا الشاعر من غرفة النوم بالفندق القرطبي وفي حضنه فتاة شقراء ناهدة… ووصل خبر أنهم وجدوه في وضعة قبيحة… هذا مارووه بصدق، فأمر بأن يجلبوا له جلبابا مغربيا بنيا… ارتدى الشاعر عبد الرحمن الجلباب المغربي والبلغة الصفراء وترك شعره الأسود الحريري الكثيف يسرح على قفاه… وقال:
– أيها الأمير- أعزك الله- جئتك من قرطبة بعد أن ودعت صديقي الفيلسوف ابن رشد الذي منذ أن قابلته وهو جالس لم يتحرك لايمنة ولايسرة. وأعلمكم أميرنا المبجل- أعزك الله- أن ابن رشد يقرأك السلام ويلتمس من مقامكم الرفيع وإسمكم التاريخي المشرق أن تزوره أو تأمر بأن يأتي إليكم وعندكم إلى قصر الحمراء، لأنه كان يريد أن…
انقطع الكلام.
سأله الأمير :
– ماذا يريد؟
– لم يقل لي شيئا.
– هل أنت متيقن من أنه لم يقل لك شيئا؟
– لا، يا مولاي… لم يقل شيئا.
تبدى على وجه الأمير غضب سريع، وإذا غضب الأمير زأرت الأسود وارتفع الماء إلى الأسقف… وسقطت الرؤوس من النوافذ.
أمر الأمير تابعيه وأعوانه بإحضار السياف… ( كان السياف يتناول بعض المشروبات مع عشيقته سلمى) عندما سمع الشاعر عبد الرحمن أن الأمر أصبح معقدا، وأن السياف يمتثل لأوامر الأمير، وتذكر الحجاج ابن يوسف الثقفي، وهو، يتخيل الرؤوس تتطاير في سماء القصر وسياف هارون الرشيد الذي نسي إسمه من شدة الخوف، تورد خده وشخ في جلبابه…
كان الليل يرخي سدوله، فأحس الأمير بالتعب… وغادر قاعة القصر الكبرى… لكنه أمر تابعيه وأعوانه وبالأخص سيافه الذي كان قد حضر قبل أن يرتد له طرفه… أن يحرسوه حتى ينظر في أمره دون أن ينسى أن يسأل السياف عن سلمى وهل تسعده أم لا؟
بقي الشاعر صامتا… وهو ينظر إلى السيف… وتذكر سيف المتني ورمحه وقرطاسه وقلمه… وسيف أبي تمام:
السّيفُ أصدقُ أنباءً من الكُتُبِ
في حدّه الحدُّ بين الجدِّ واللّعِبِ.
ثم، حين انتهى… بكى… اقترب منه السياف، وقال:
– أيها الشاعر لاتقلق إن أميرنا رجل كريم ولكنه بلغني أنك تكلمت له عن ابن رشد وهو لايحبه لأنه فيلسوف، وأميرنا لايحب الفلاسفة.
– ما شأني أنا بالفلسفة والفلاسفة… أنا رجل في حالي… شاعر… مثل عنترة.
– ولكن ليس لك شجاعة عنترة ابن شداد.
– لي الكلام مثله.
– وأنا لي السيف… ولاتقل أنا في حضرة الأمير… فهو لايحب ذلك…
تنفس الصبح، وحضر الأمير إلى نفس القاعة… أحيانا يغير القاعات كما يغير ملابسه ونساءه وجواريه…
رفع الأمير أصبعه إلى الفوق فتسامق عنقه حتى كاد يصل إلى الأسقف… وأشار… إلى… الشاعر… الذي اقترب وهو ينحني…
– مارأيك في ابن رشد… شارح أرسطو
– لا أعرفه
ضحك الأمير، وقال:
– أنكرت صاحبك.
– أنكر أبي وأمي إذا أمرت بذلك.
– أنت جبان
– نعم أنا جبان…
– ماذا قلت؟ أنا؟! أيها السياف… اقطع رأسه.
اقترب السياف… وهو يرفع سيفه… حينئذ، دخل ابن رشد وقال:
– أيها الأمير لا أعرف هذا الشاعر… أتركه يرحل إلى بلده… إنه في الحقيقة لم يرى سوى تمثالا لي.
لقد رأى تحفة من حجر… ولكنه غبي ولا يعرف شيئا عن تواليفي.
بعد دقائق… اختفى السياف… والشاعر… والأمير… وقاعة القصر…ولم يبقى إلا ابن رشد.
