تحت القائمة

احتجاجات جيل زاد .. الغضب الرقمي يتحول إلى حراك ميداني

عماد بنهمبج / تطواني

لم يكن مساء السبت يوما عاديا في عدد من المدن المغربية، حيث خرجت مجموعات من الشباب في احتجاجات متفرقة دعت إليها حملة “جيل زاد”. هذه الدعوات التي انطلقت أساسا عبر منصات التواصل الاجتماعي سرعان ما تحولت إلى حراك ميداني، رغم محدودية الأعداد، لكنها حملت رسائل رمزية قوية تكشف عن عمق التحولات التي يعرفها الفضاء العام في المغرب.

احتجاجات “جيل زاد” ليست حدثا عابرا، بل هي تعبير عن دينامية جديدة يتصدرها الشباب عبر الفضاء الرقمي، في سياق اجتماعي واقتصادي متأزم. وإذا كانت تجربة نيبال تؤكد أن قوة العالم الافتراضي قادرة على إعادة تشكيل المشهد السياسي، فإن المغرب يبدو اليوم أمام سؤال مركزي: كيف يمكن تحويل هذا الغضب الرقمي إلى طاقة بنّاءة، بدل تركه يتفجر في الشارع بلا تأطير ولا أفق؟

السلطات واجهت هذه التحركات بتدخلات أمنية أسفرت عن اعتقال العشرات، قبل أن يفرج عنهم لاحقا في الليلة نفسها. لكن ما حدث لم يتوقف عند حدود الشارع، بل وجد صداه الأوسع على المنصات الرقمية، حيث تفجر نقاش واسع حول مشروعية الاحتجاج، حدود المقاربة الأمنية، والمسؤوليات السياسية عن الأوضاع الاجتماعية المتأزمة.

أبرز ما يميز هذه التحركات أن العالم الافتراضي لم يكن مجرد أداة للتواصل، بل صار منصة للتعبئة والتنظيم وإنتاج الخطاب الاحتجاجي. فقد لعبت صفحات فيسبوك ومجموعات إنستغرام وتويتر دورا محوريا في صياغة الشعارات، وتحديد مواعيد النزول إلى الشارع، ثم توسيع النقاش بعد وقوع التدخلات الأمنية.

وبذلك، لم تعد حدود الفعل السياسي والاحتجاجي محصورة في الساحات العامة، بل صار الفضاء الرقمي هو الرافعة الأساسية التي تمنح الحركات الشبابية صوتا وجمهورا وشرعية موازية، وهو ما يفسر الصدى الكبير الذي رافق احتجاجات “جيل زاد”، مقارنة مع حجمها العددي على الأرض.

إلى جانب القضايا القطاعية في الصحة والتعليم، حملت النقاشات الرقمية انتقادات مباشرة لحكومة عزيز أخنوش، التي تتعرض منذ أشهر لموجة متصاعدة من الانتقادات بسبب غلاء المعيشة وتعثر إصلاحات اجتماعية منتظرة. ووجد حزب التجمع الوطني للأحرار، الذي يقود الائتلاف الحكومي، نفسه اليوم في قلب أزمة ثقة مع جزء واسع من الرأي العام، خاصة فئة الشباب، التي ترى أن الوعود الانتخابية لم تجد طريقها إلى التنفيذ، وأن غياب قنوات وسيطة فاعلة دفعها إلى البحث عن بدائل تعبيرية عبر العالم الرقمي.

هذا التراجع في الثقة لا يهدد فقط صورة الحزب الحاكم، بل يعكس أيضا أزمة أعمق في المشهد الحزبي، حيث لم تنجح الأحزاب في لعب دور الوسيط بين الدولة والمجتمع، تاركةً فراغاً ملأته منصات التواصل الاجتماعي.

إذا كان حضور الفضاء الرقمي في تشكيل الحراك المغربي جديداً نسبياً، فإنه يجد أصداء في تجارب أخرى، مثل نيبال. هناك، لعبت شبكات التواصل دورا محوريا خلال السنوات الأخيرة في تحريك الشارع حول قضايا التعليم والبطالة والفساد. فقد تحولت الحملات الافتراضية إلى محرك أساسي للتظاهر، وأداة ضغط فعّالة على السلطات، ما منح الشباب شعوراً بامتلاك أدوات تأثير لم توفرها لهم الأطر التقليدية.

المقارنة بين التجربتين تكشف عن ملامح مشتركة: ضعف الثقة في المؤسسات الوسيطة، عجز الأحزاب عن استيعاب مطالب الأجيال الجديدة، وتحول المنصات الرقمية إلى فضاء بديل للتأطير والتنظيم. وهذا التحول يفرض على الدولة إعادة التفكير في كيفية التعاطي مع موجات الغضب التي لم تعد تحتاج سوى إلى “هاشتاغ” حتى تجد صداها في الشارع.

الإفراج عن جميع المعتقلين لم ينه النقاش، بل ربما زاد من حضوره الرمزي على المنصات الرقمية، حيث يرى كثيرون أن “جيل زاد” ليست سوى بداية لمسار احتجاجي قد يتوسع إذا استمر غياب الحلول العاجلة للأزمات الاجتماعية.

الرسالة الأوضح في هذا السياق هي أن المقاربة الأمنية وحدها لم تعد كافية لاحتواء الغضب، وأن الإنصات إلى نبض الشارع، خصوصا في قضايا الصحة والتعليم، أصبح ضرورة لا تحتمل التأجيل. كما أن غياب ثقة الشباب في الأحزاب يعمق القطيعة بين الأجيال الجديدة والسياسة التقليدية، ما ينذر بتحولات عميقة في علاقة المجتمع بالدولة.