المدرسة.. ما بين دعم حرية التفكير والابتكار وتكريس النمطية والسلبية
✍️ د. منعم أولاد عبد الكريم
تعيش المنظومة التربوية في المغرب لحظة حرجة تتقاطع فيها اختلالات وأعطاب داخلية متجذرة وإرادات متناقضة مع رهانات كونية مضطردة. فإلى جانب الأعطاب البنيوية المزمنة، المتمثلة في ضعف البنية التحتية، قصور التكوين، وهشاشة الحكامة، يواجه قطاع التعليم تحديات عابرة للحدود تتصل بتحولات العولمة المعرفية، والثورة الرقمية، وصعود اقتصاد المعرفة. إن هذه التحولات تفرض إعادة التفكير في وظيفة المدرسة ليس فقط كمؤسسة لنقل المعارف، بل كفضاء لإنتاج الرأسمال البشري القادر على التكيف مع متطلبات مجتمع ما بعد الصناعة. ومن ثمة، فإن أزمة التعليم في المغرب لا يمكن مقاربتها بمعزل عن السياق الكوني، إذ تتجلى في التوتر القائم بين منطق إصلاح داخلي متعثر ومتطلبات خارجية تفرض الارتقاء بجودة التعليم إلى مستويات التنافسية العالمية.
قبل نحو أربعين عامًا (1985)، نشرت مجلة تعليم العلوم الأوروبية (European Science Teaching) مقالًا مميزًا بعنوان “حول التفكير الطبيعي” “On natural thinking” للباحث الإيطالي باولو غيدوني (Paolo Guidoni). استهل غيدوني مقاله بعبارة نقدية لاذعة، حين قال: “مؤخرًا، اكتشف الباحثون التربويون أن الأطفال يفكرون”. للوهلة الأولى، قد يبدو هذا القول ساخرًا يثير ابتسامة القارئ، غير أنّ التأمل العميق يكشف خلفه نقدًا جذريًا لجوهر الممارسة التعليمية السائدة.
خصّص غيدوني مقاله لنقد ما أسماه بـ”السلبية” داخل الفصول الدراسية، حيث يتم التعامل مع المعلم والمتعلم كأوعية ناقلة ومتلقية للمعارف فحسب. فالسلبية، في نظره، لا تختزل في مجرد شكل من أشكال نقل المعلومات، بل هي في ذاتها مضمون يتم تكريسه. فالفصل الدراسي التقليدي لا يسعى فقط إلى إنتاج إجابات متطابقة لدى جميع التلاميذ، أو إلى إستثارة سخطهم إن وُجّهت إليهم أسئلة خارج ما درسوه، بل يعمل كذلك على إلغاء كل إمكانية للتمثيل الفردي، لتتحول السلبية إلى شرطٍ للنجاح الشخصي داخل المجتمع.
وإذا كان من البديهي أنّ المدرسين يفكرون، فإن الخطير –كما يشير غيدوني– هو أنّ صورتهم في نظر الجميع تُختزل في عكس ذلك: أي أنه من الأفضل ألا يفكروا. هنا تتجلى إحدى أخطر نتائج السلبية: تكريس الطاعة والمحافظة على الوضع القائم، مقابل الاعتقاد الساذج بأن تحسين الوسائل الديداكتيكية أو تجهيز الفصول بأحدث الوسائط الرقمية (حواسيب، إنترنت، مسلاط…) كفيل وحده بإحداث قطيعة مع هذه الوضعية. والحال أنّ هذه الأدوات، مهما كانت متقدمة، لا تضمن إنتاج المعرفة ولا تزيل السلبية.
على امتداد العقدين الأخيرين، تركز النقاش التربوي العلمي حول نقطتين أساسيتين: الأولى، الإقرار بأن الأطفال يمتلكون قدرة فطرية على التفكير المستقل، وأن هذا الوعي يفرض مراجعة شاملة للممارسات المدرسية والأسرية والاجتماعية. أما الثانية، فهي أنّ القول بأن المعلمين يفكرون ليس مجرد فرضية نظرية، بل هو مسؤولية اجتماعية كبرى ملقاة على عاتقهم وعلى المجتمع بأسره.
وعليه، فإن معظم الأدبيات التربوية التي تناولت هذا الإشكال تتقاطع حول عنصرين توجيهيين محوريين:
1. التأكيد على أنّ المتعلم يجب أن يكون في قلب العملية التعليمية، باعتباره كائنًا مفكرًا وفاعلًا ونشطًا، وأن أعظم ما يمكن للمدرسة أن تقدمه هو الحفاظ على إمكانية التفكير الحرّ وممارسته بثقة، سواء عبر استثمار قدرات الفاعلين الأساسيين أو من خلال ما يتيحه الفضاء التربوي نفسه.
2. إعادة الاعتبار لدور المعلم باعتباره فاعلًا جوهريًا في بناء مدرسة يكون فيها التفكير محور كل الأنشطة التعليمية.
لقد أثبت تطور النقاش التربوي أنّ النظر إلى المدرسة لم يعد ممكنًا من زاوية ضيقة تختزلها في جدران القسم أو في طرائق نقل المعرفة فقط، بل أصبح من الضروري مقاربتها باعتبارها فضاءً متكاملًا. في هذا الفضاء تكتسي المنظومة التشريعية، والمناهج والمقررات الدراسية، وعلاقات السلطة التربوية، وأساليب تدبير الصراع أهمية قصوى، بوصفها جميعًا عناصر تشكّل البنية العميقة للتجربة التعليمية.
إن هذا الطرح يفضي بطبيعة الحال إلى تصورات جديدة للمدرسة يصعب تقبلها، لأنها تعارض القوالب الثقافية النمطية المرتبطة بالمدرسة، سواء داخل المدرسة نفسها، والتي يتقاسمها المتعلمون والمعلمون، أو خارج اسوارها، أي تلكم التي تتمظهر من خلال المطالب والتوقعات التي تمثلها مؤسسة المدرسة بالنسبة للمجتمع. وهذا ما يبرر، في نظرنا وإلى حدود معينة، كل هاته المقاومة التي يواجهها حاليا مشروع المدرسة الرائدة بالمغرب، سواء من داخل أو من خارج المدرسة العمومية، على اعتبار أنه تصور مستجد للمدرسة استعصى استيعابه وبالتالي تنزيله على أرض الواقع من قبل الفاعلين التربويين المتشبعين بالتصورات التقليدية للمدرسة ذات التوجه السلوكي، كما صعب فهمه ومواكبته على الأسر وجمعيات آباء واولياء التلاميذ، التي لا يرى غالبها في المدرسة الى مجالا للشحن المعرفي، وهو ما ولد كل هاته التوجسات والمخاوف والتردد السائد بينهم.
