تعميم “التجمعات الصحية الإقليمية” خطر كبير على الحق في الصحة
د. محمد السوعلي / نقلا عن صحيفة ليبراسيون ( مترجم )
يتناول هذا المقال المترجم عن صحيفة ليبيراسيون (Libération) الفرنسية بقلم الدكتور محمد السوعلي، بالنقد والتحليل مسار الإصلاح الصحي القائم على تعميم التجمعات الصحية الإقليمية، معتبراً أنه إصلاح يُفرض من الأعلى دون تقييم علمي أو اجتماعي حقيقي، بما يجعله تهديداً مباشراً للحق في الصحة.
ينطلق د. السوعلي من فكرة مركزية مفادها أن أي إصلاح بنيوي للنظام الصحي لا يمكن أن يكون ناجحا إذا لم يبن على تشخيص دقيق للاختلالات القائمة وعلى تقييم مسبق للتجارب النموذجية. ويؤكد أن تعميم التجمعات الصحية الإقليمية يجري في سياق أزمة عميقة تعيشها المستشفيات العمومية، تتجلى في الخصاص المزمن في الموارد البشرية، وضعف التجهيزات، ومحدودية الطاقة الاستيعابية، فضلاً عن هشاشة ظروف العمل، وهو ما يجعل هذا التعميم سابقاً لأوانه.
ويشير المقال، إلى أن الخطاب الرسمي يركز على الأرقام والمؤشرات، مثل نسب التغطية الصحية وتوسيع الاستفادة من التأمين، غير أن هذا التقدم الكمي لا يعكس بالضرورة تحسنا فعليا في جودة الرعاية أو في الولوج العادل إلى الخدمات الصحية، خاصة في المناطق الهشة والنائية. فالمشكل، بحسب الكاتب، لا يكمن في غياب التنظيم فقط، بل في ضعف التمويل العمومي للصحة، الذي يظل دون المستويات الموصى بها دوليا، وفي سوء توزيع الأطر الطبية وشبه الطبية.
كما ينتقد الدكتور محمد السوعلي المنطق الذي تقوم عليه التجمعات الصحية الإقليمية، معتبرا أنها قد تتحول من أداة لتنسيق الرعاية وتحسين الحكامة إلى آلية إدارية لتدبير الندرة، حيث يتم التركيز على ترشيد الموارد وتقليص الكلفة بدل الاستثمار في العنصر البشري وجودة العلاج. ويحذر من أن هذا النموذج قد يؤدي إلى مزيد من تركيز القرار في هياكل إدارية جديدة، على حساب استقلالية المهنيين الصحيين ودورهم المحوري في اتخاذ القرار الطبي.
ويتوقف المقال عند بعض التجارب الجهوية، وعلى رأسها جهة طنجة–تطوان–الحسيمة، التي تُقدم كنموذج لتفعيل هذا الإصلاح، مبرزا أن الواقع الميداني لا يزال يعكس استمرار الإكراهات نفسها، من ضغط كبير على المستشفيات العمومية، ونقص في الأطر، وصعوبات في التكفل بالحالات الاستعجالية، مما يبيّن أن تغيير البنية التنظيمية وحده غير كافٍ لإحداث تحول حقيقي في المنظومة الصحية.
ويخلص الكاتب إلى أن إصلاح الصحة لا يجب أن يكون قرارا تقنيا أو إداريا معزولا عن النقاش العمومي، بل خيارا مجتمعيا يستند إلى التقييم المستقل، وإشراك مهنيي الصحة، وتعزيز الاستثمار العمومي، وربط السياسات الصحية بمبدأ العدالة الاجتماعية.
الصحة، في نظر الدكتور محمد السوعلي، حق دستوري لا يحتمل التجريب المتسرع، ولا يمكن حمايته إلا بإصلاح شامل يضع الإنسان وجودة الرعاية في صلب الاهتمام، لا مجرد الأرقام والمؤشرات.
