لم تعد مدريد تكتفي بالتصريحات القلقة بشأن تأثير التكنولوجيا على الأجيال الصاعدة، بل انتقلت إلى مرحلة الفعل التشريعي الحاسم. فقد كشفت الحكومة الإسبانية مؤخراً عن مشروع قانون طموح لحماية القاصرين في البيئة الرقمية، يهدف إلى رفع السن القانوني لإنشاء حسابات على شبكات التواصل الاجتماعي من 14 إلى 16 عاماً. والأهم من ذلك، تعمل الدولة على تطوير نظام تحقق عمري صارم (Age Verification System) ينهي عصر “نقرة الموافقة” الزائفة التي يدعي فيها الأطفال أنهم بالغون بضغطة زر.
هذه الإجراءات تتضمن فرض ضوابط تقنية تمنع الوصول إلى المحتويات الضارة، وتلزم المنصات بآليات فعالة للرقابة الأبوية، مع التلويح بعقوبات قاسية على الشركات التي تتقاعس عن حماية بيانات القاصرين أو تستغل ضعفهم النفسي. هذه الحزمة التشريعية ليست مجرد روتين إداري، بل هي ترجمة عملية لفلسفة عبر عنها رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز بعبارة واحدة تختزل الصراع القيمي في عصرنا: “المريخ يمكنه أن ينتظر، أما الإنسانية فلا”.
تأتي مقولة سانشيز لتضع الإصبع على الجرح؛ فبينما تتسابق “الأوليغارشية التكنولوجية العالمية” لاستعمار الفضاء، ومراكمة الثروات، وتطوير عوالم الميتافيرس، تُترك عقول أطفالنا نهباً لواقع رقمي منفلت. إن التحرك الإسباني يمثل محاولة لاستعادة “السيادة الإنسانية” من أيدي شركات عابرة للقارات تعمل بمنطق الربح المطلق، وتتعامل مع المستخدمين – بمن فيهم الأطفال – كمجرد نقاط بيانات ومصدر للدخل الإعلاني. هذا التوجه الصارم تدعمه حقائق علمية وأرقام دولية لا تقبل الجدل، تؤكد أننا أمام حالة طوارئ صحية واجتماعية تتطلب تدخل الدولة.
لم يعد الحديث عن أضرار التواصل الاجتماعي مجرد انطباعات، بل حقائق موثقة من أعلى الهيئات الدولية. فوفقاً لتقرير صادر عن الجراح العام الأمريكي (U.S. Surgeon General) في عام 2023، يواجه المراهقون الذين يقضون أكثر من 3 ساعات يومياً على منصات التواصل الاجتماعي ضعف الخطر للإصابة بأعراض الاكتئاب والقلق. وبالنظر إلى أن متوسط استخدام المراهقين يتجاوز هذا الحد بكثير، فإننا ندفع بأبنائنا نحو أزمات نفسية محققة.
وعلى الصعيد التعليمي، يدعم تقرير منظمة اليونسكو (UNESCO) لعام 2023 التوجه الإسباني بشكل غير مباشر، حيث حذرت المنظمة من وجود “رابط سلبي” بين الاستخدام المفرط للتكنولوجيا والتحصيل الدراسي، مشيرة إلى أن مجرد وجود الهاتف الذكي بالقرب من الطالب يشتت انتباهه، ويستغرق العقل البشري حوالي 20 دقيقة لاستعادة التركيز الكامل بعد كل مقاطعة.
كما تشير بيانات منظمة الصحة العالمية إلى أن واحداً من كل سبعة مراهقين (تتراوح أعمارهم بين 10 و19 عاماً) يعاني من اضطراب عقلي، مع تأكيدات متزايدة من الخبراء على دور الضغوط الرقمية، والتنمر الإلكتروني، والمقارنات الاجتماعية غير الواقعية في تفاقم هذه الأرقام.
إن الإجراءات الإسبانية المقترحة تنطلق من قناعة بأن نموذج “التنظيم الذاتي” الذي تروج له شركات التكنولوجيا الكبرى هو مجرد وهم. لا يمكن لشركة ربحية، صممت خوارزمياتها هندسياً لإفراز الدوبامين وإبقاء المستخدم ملتصقاً بالشاشة (Infinite Scroll)، أن تكون هي نفسها الحكم والجلاد.
إن وصف هذه الشركات بـ “الأوليغارشية” دقيق للغاية؛ فهي كيانات غير منتخبة تمارس نفوذاً يفوق نفوذ الدول، وتتحكم في تدفق المعلومات وتشكيل وعي القاصرين دون أي رادع أخلاقي. لذا، فإن فرض التحقق من العمر وسن تشريعات ملزمة هو ممارسة أصيلة لسيادة الدولة في حماية مواطنيها من منتج “سام”، تماماً كما تفعل مع التبغ أو الكحول.
إن مشروع القانون الإسباني هو صرخة يقظة ضرورية. إنه يعيد ترتيب الأولويات بوضوح: سلامة الأطفال النفسية والعقلية تأتي قبل أرباح المساهمين في وادي السيليكون، وقبل السباق المحموم نحو المريخ.
ما تفعله مدريد اليوم هو تأسيس لنموذج حماية عالمي، يرسل رسالة مفادها أن التكنولوجيا وجُدت لتخدم البشرية وترتقي بها، لا لتستعبد عقول أطفالها وتتاجر ببياناتهم. إنه موقف يستحق الدعم والتعميم، لأن المستقبل الحقيقي لا يُبنى في الفضاء الخارجي، بل يُبنى هنا، في عقول أطفال أصحاء ومتوازنين نفسياً.
