تحت القائمة

ترشيح الطالبي العلمي … تكريس للوجوه نفسها ومعاكسة لدعوات تجديد النخب

يبدو أن حزب التجمع الوطني للأحرار بتطوان ماض مرة أخرى في إعادة إنتاج الوجوه نفسها، فإعلان رئيس مجلس النواب المغربي راشيد الطالبي العلمي عزمه الترشح من جديد للاستحقاقات التشريعية المقبلة لا يمكن قراءته إلا كرسالة واضحة مفادها أن منطق احتكار التمثيل السياسي ما زال أقوى من أي حديث عن تجديد النخب.

الخطوة لا تطرح فقط إشكال التداول على المسؤولية، بل تكشف أيضا حجم التناقض داخل الحزب نفسه. ففي الوقت الذي اختار فيه رئيس الحكومة ورئيس الحزب عزيز أخنوش عدم الترشح لولاية جديدة، في خطوة فهمت على نطاق واسع كإشارة سياسية نحو إعادة ترتيب المشهد وفتح المجال لقيادات أخرى، يصر الطالبي العلمي على المضي في الاتجاه المعاكس تماما.

اللافت أن ترشح الطالبي العلمي يأتي أيضا في سياق سياسي محلي كان يفترض أن يمنح الفرصة لقيادات جديدة داخل الحزب، وعلى رأسها رئيس جماعة تطوان مصطفى البكوري، الذي بدا في الأشهر الأخيرة أحد الأسماء المطروحة لقيادة المرحلة المقبلة. غير أن إعلان الطالبي العلمي نيته الترشح من جديد قطع الطريق مبكرا أمام هذا الاحتمال، وأعاد التأكيد على استمرار نفس التوازنات داخل الحزب.

منتقدو هذه الخطوة يرون أن المشكلة لا تتعلق فقط بطول مدة الحضور السياسي، بل بطبيعة العلاقة التي ربطت الطالبي العلمي بمدينة تطوان. فالرجل، بحسب العديد من الفاعلين المحليين، يظهر بقوة خلال المحطات الانتخابية، لكنه سرعان ما يختفي عن المشهد المحلي بمجرد انتهاء الاستحقاقات، دون حضور سياسي أو تواصل فعلي مع قضايا تطوان وساكنتها. هذا الغياب المستمر عزز قناعة متزايدة لدى عدد من الفاعلين المحليين بأن الطالبي العلمي لم يحمل تطوان معه إلى المؤسسات، بل حمل البرلمان إلى تطوان فقط حين يحتاج إلى الترشح.

ويستحضر كثير من التطوانيين مثالا لا يزال حاضرا في الذاكرة الجماعية والمتعلق بملف المشروع الكبير للمركب الرياضي بتطوان. فخلال فترة إشرافه على وزارة وزارة الشباب والرياضة، طوي هذا المشروع دون أن يسجل للطالبي العلمي أي موقف قوي أو تحرك جدي للدفاع عنه. وقد عمق ذلك الشعور لدى الساكنة بأن المدينة لم تكن ضمن أولوياته، وكأن العلاقة معها لا تتجاوز كونها عنوانا انتخابيا يعود إليه كلما اقتربت الاستحقاقات.

وعند تفكيك المسار الانتخابي للحزب بتطوان، يتضح أن الطالبي العلمي لم يكن في الغالب من يدير القاعدة الانتخابية أو يمسك بخيوط العمل الميداني بشكل مباشر. فالقاعدة المجتمعية التي يفترض أن يمتلكها أي سياسي مؤثر كانت شبه غائبة، بينما اعتمد في حملاته على أسماء أخرى لعبت الدور الحاسم في حشد الأصوات وتهيئة الأرضية الانتخابية.

الكثير ممن واكبوا الانتخابات المحلية يدركون أن شخصيات مثل البكوري محمد، والحسيوتي، والمرحوم محمد الشرقاوي، وبوحراث، كانت تمثل الواجهة الحقيقية للعمل الانتخابي الذي أوصل الطالبي العلمي إلى البرلمان. بمعنى آخر، كان هؤلاء يصنعون الكتلة الانتخابية على الأرض، بينما يبقى الطالبي العلمي المستفيد الأكبر من نتائجها، دون أن ينجح في بناء امتداد شعبي خاص به أو شبكة مجتمعية مستقلة داخل المدينة.

ويرى مراقبون أن استمرار الطالبي العلمي في الترشح المتكرر بتطوان يتناقض مع الروح العامة التي عبرت عنها عدة خطابات ملكية دعت بوضوح إلى تجديد النخب السياسية وفتح المجال أمام كفاءات جديدة قادرة على إعادة الثقة بين المواطن والعمل السياسي.

وإذا مضى الطالبي العلمي في قراره بالترشح مجددا، فإنه لن يكتفي بإضافة محطة جديدة إلى مساره البرلماني الطويل، بل قد يسجل رقما قياسيا غير مسبوق في عدد الترشيحات البرلمانية بالمدينة. غير أن هذا “الرقم القياسي” لن يقرأ بالضرورة كإنجاز سياسي، بل قد يتحول إلى عنوان لأزمة حقيقية في تجديد النخب، وأزمة ثقة متزايدة بين المواطن والسياسة.