الملك محمد السادس ورؤية بناء شراكة استراتيجية بين المغرب وإسبانيا
سعيد المهيني – بتصرف عن صحيفة "لاراثون" الإسبانية
لطالما خضعت العلاقات المغربية الإسبانية لتأثيرات الجغرافيا والتاريخ، كما ظلت الأزمات السياسية والأمنية تلقي بظلالها على مسارها. غير أن العقود الأخيرة شهدت تحولاً نوعياً جعل الرباط ومدريد تؤسسان واحدة من أكثر الشراكات الاستراتيجية متانة في غرب البحر الأبيض المتوسط، رغم استمرار بعض الملفات الخلافية.
ويُعزى هذا التحول، إلى حد كبير، إلى الرؤية التي تبناها الملك محمد السادس منذ اعتلائه العرش قبل ستة وعشرين عاماً، حيث راهن على تحويل الموقع الجغرافي للمغرب من عامل يفرض التحديات إلى عنصر قوة يخدم المصالح المشتركة. ومن هذا المنطلق، لم تعد إدارة الأزمات هي الهدف الرئيسي، بل أصبح التركيز منصباً على بناء علاقة مؤسساتية قادرة على تجاوزها والاستمرار رغم تقلباتها.
وخلال هذه الفترة، تمكن المغرب من الحفاظ على مسار إصلاحي ثابت رغم ما شهده العالم من أزمات مالية، وجائحة صحية، وصراعات دولية، وتحولات اقتصادية وتكنولوجية متسارعة. كما واصل تحديث بنيته التحتية، وتنويع اقتصاده، وتعزيز حضوره في القارة الإفريقية، مع انتهاج سياسة خارجية تقوم على الانفتاح، وتعزيز المصداقية، والدفاع عن المصالح الاستراتيجية للمملكة.
في المقابل، أدركت إسبانيا أن المغرب لم يعد مجرد جار تجمعه بها ملفات ظرفية، بل شريك استراتيجي تتقاطع معه المصالح في مجالات متعددة، من بينها الاقتصاد والاستثمار، والخدمات اللوجستية، والربط الطاقي، ومكافحة الإرهاب، وتدبير الهجرة، فضلاً عن الاستعداد المشترك، إلى جانب البرتغال، لتنظيم كأس العالم لكرة القدم 2030.
ويرى المقال أن أبرز ما تحقق في عهد الملك محمد السادس لم يكن إنهاء جميع الخلافات بين البلدين، وهو أمر يصعب تحقيقه في العلاقات الدولية، وإنما منع تلك الخلافات من الهيمنة على مجمل العلاقات الثنائية، بما أتاح استمرار التعاون وتعزيز الثقة المتبادلة.
ويؤكد أن ترسيخ هذا التوجه لم يكن رهيناً بالقرارات السياسية فقط، بل استند أيضاً إلى استمرارية العمل المؤسساتي. وفي هذا الإطار، يشير إلى الدور الذي اضطلع به مستشار الملك، فؤاد عالي الهمة، في مواكبة وتنفيذ الرؤية الملكية الخاصة بالعلاقات المغربية الإسبانية، من خلال الحرص على استمرارية التوجهات الاستراتيجية للدولة، بما يتجاوز تغير الحكومات والظروف السياسية.
كما يسلط الضوء على البعد الأمني باعتباره أحد أهم أعمدة هذه الشراكة، مبرزاً مساهمة المدير العام للأمن الوطني ولمراقبة التراب الوطني، عبد اللطيف حموشي، في تحديث المنظومة الأمنية المغربية وتعزيز التعاون مع الأجهزة الأمنية الإسبانية، خاصة في مجالي مكافحة الإرهاب والجريمة المنظمة العابرة للحدود.
ويعتبر المقال أن مستوى التنسيق وتبادل المعلومات بين المؤسستين الأمنيتين في البلدين أصبح نموذجاً للتعاون الإقليمي، وهو ما تجسد، بحسب الكاتب، في الأوسمة الرفيعة التي منحتها إسبانيا لعبد اللطيف حموشي، باعتبارها تعبيراً عن الثقة المتبادلة وتقديراً للجهود المشتركة في تعزيز الأمن والاستقرار.
وعلى الصعيد الاقتصادي، أصبحت الشركات الإسبانية تنظر إلى المغرب باعتباره شريكاً موثوقاً للاستثمار والإنتاج والابتكار، مستفيدة من الاستقرار المؤسساتي الذي يوفر بيئة ملائمة للمشاريع طويلة الأمد. كما يمثل مشروع التنظيم المشترك لكأس العالم 2030، وفق المقال، رمزاً لطموح البلدين في بناء فضاء متكامل للتنمية والازدهار والتقارب بين أوروبا وإفريقيا.
ويخلص المقال إلى أن الجغرافيا جعلت المغرب وإسبانيا بلدين متجاورين، فيما فرض التاريخ بينهما فترات من التوتر، غير أن القرن الحادي والعشرين أتاح فرصة لبناء نموذج جديد من العلاقات يقوم على التعاون والشراكة الاستراتيجية. ويرى أن هذا التحول يعكس رؤية سياسية بعيدة المدى انتهجها الملك محمد السادس، وأسهمت في إرساء أسس علاقة أكثر استقراراً وتوازناً بين المملكتين.

