بعد مرور نحو أسبوع على انطلاق الحملة الانتخابية، بدأت ملامح أولية لخريطة التنافس بدائرة المضيق–الفنيدق تتضح، من خلال تتبع التحركات الميدانية للمرشحين، ورصد طبيعة الحضور الحزبي بمختلف مدن وجماعات الدائرة، والاستماع إلى الانطباعات المتداولة وسط عدد من المواطنين والفاعلين المحليين.
وبحسب هذا الرصد الميداني، يبدو حزب الأصالة والمعاصرة في مقدمة المشهد خلال المرحلة الحالية، مستفيدا من حضور تنظيمي وميداني ممتد بعدد من مناطق الدائرة، وقيادة محمد العربي المرابط للائحة الحزب، وهو الاسم الذي سبق أن تصدر نتائج انتخابات 2021 بالدائرة بحصوله على 9299 صوتا وفوزه بأحد المقعدين البرلمانيين.
ويبدو أن الحملة التي يقودها المرابط خلال الأيام الأخيرة رفعت منسوب حضور “الجرار” في مرتيل وبليونش والعليين والفنيدق، مع محاولة توسيع دائرة التأثير نحو المضيق. كما أن عامل الخبرة في تدبير عدد من الجماعات الترابية، إلى جانب الحضور الميداني المكثف، يدخل ضمن العناصر التي تحضر في قراءة موقع الحزب داخل السباق الحالي.
في المرتبة التالية من حيث الحضور المتصاعد، يبرز حزب الاستقلال الذي دخل المنافسة بإيقاع أكثر قوة، خصوصا بمرتيل، مع سعي واضح إلى توسيع حضوره في باقي مناطق الدائرة. ويبدو أن “الميزان” يتعامل مع المعركة باعتبارها فرصة فعلية لانتزاع أحد المقعدين، مستفيدا من تعبئة تنظيمية ومحاولات لاستقطاب أصوات إضافية في الفنيدق والعليين وبليونش. وكان الحزب قد حسم مرشحه بالدائرة بعد تعديلات طرأت على اختياره الأول، ليستقر في النهاية على عبد الحنين الغرافي.
أما التجمع الوطني للأحرار، فيحتفظ بالمضيق كإحدى أهم قلاعه الانتخابية في الدائرة، مع حضور متفاوت في مرتيل والفنيدق والعليين. ويبدو أن رهان الحزب خلال المرحلة المقبلة سيكون مضاعفة الحضور بالمضيق، مع محاولة توسيع قاعدة التصويت في باقي المناطق، خصوصا أن نتيجة 2021 وضعته في المرتبة الثالثة بـ4479 صوتا، بفارق غير بعيد عن الاتحاد الاشتراكي الذي حصد المقعد الثاني آنذاك.
وبين هذه القوى، يحافظ حزب التقدم والاشتراكية على حضور لافت بالمضيق، وهي المنطقة التي تبدو بالنسبة إلى “الكتاب” الأكثر أهمية في حساباته الحالية، مقابل حضور أقل في مرتيل والفنيدق. ويحتاج الحزب، إذا أراد تحويل حضوره بالمضيق إلى نتيجة انتخابية وازنة، إلى إدارة دقيقة للأيام الأخيرة من الحملة، خصوصاً في ظل المنافسة القوية داخل المدينة نفسها.
أما الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، فيتحرك أساسا على أرضية انتخابية تجمع بين الفنيدق ومرتيل، مع حضور أقل في المضيق وباقي الجماعات. ويظل رهان الحزب مرتبطا بقدرته على الحفاظ على الرصيد الذي مكنه من الظفر بالمقعد الثاني في انتخابات 2021، عندما حصل وكيل لائحته عبد النور الحسناوي على 5149 صوتا.
وفي الجهة المقابلة، يحاول حزب العدالة والتنمية العودة إلى واجهة المنافسة بعد تراجع كبير عرفه في الانتخابات السابقة. فقد انتقل الحزب من تصدر نتائج دائرة المضيق–الفنيدق سنة 2016 بـ9080 صوتا والفوز بمقعد، إلى الحصول على 1675 صوتا فقط سنة 2021، وهو تحول أعاد رسم موقع الحزب داخل الدائرة.
ومع ذلك، لا يبدو أن “المصباح” استسلم لهذا التراجع؛ إذ يسعى خلال الحملة الحالية إلى إعادة بناء حضوره واستعادة جزء من قاعدته الانتخابية، مع تركيز نسبي على الفنيدق ومرتيل والمضيق. غير أن الطريق نحو استعادة موقعه السابق يمر عبر تجاوز مجموعة من الإكراهات التنظيمية والسياسية التي رافقت التحضير للاستحقاق الحالي.
أما تحالف اليسار، فيواصل حملته بإمكانيات محدودة مقارنة بالقوى الرئيسية المتنافسة، لكنه يحاول تعويض ضعف الإمكانيات بالحضور الميداني والقرب من المواطنين، خصوصا في عدد من أحياء المضيق وبعض المناطق الأخرى. وقد يكون الرهان الأساسي للتحالف هو تحويل التعاطف الذي يحظى به بعض مرشحيه، وخصوصاً في أوساط الشباب، إلى أصوات انتخابية فعلية.
وبينما تبدو الخريطة الحالية أكثر وضوحا مما كانت عليه في الأيام الأولى، فإنها لا تزال قابلة للتغيير. فالدائرة لا تمنح سوى مقعدين، وهو ما يجعل المنافسة شديدة الحساسية، ويجعل الفارق بين عدد من اللوائح قابلاً للتقلص أو الاتساع خلال الأيام الأخيرة.
وتكتسب مرتيل، في هذا السياق، أهمية خاصة في الحسابات الانتخابية، بالنظر إلى وزنها داخل الدائرة، بينما تبقى طبيعة المشاركة في الفنيدق عاملاً يمكن أن يؤثر في حسابات المرشحين الذين يراهنون على المدينة بشكل كبير. أما المضيق، فيبدو مرشحاً لتكون إحدى ساحات التعبئة الأساسية، خاصة بالنسبة إلى الأحزاب التي تعتبر المدينة قاعدة انتخابية رئيسية لها.
وبناء على الرصد الحالي، يمكن القول إن الأصالة والمعاصرة يبدو في مقدمة المشهد ميدانيا، يليه الاستقلال والأحرار في دائرة مطاردة مفتوحة، فيما يحاول التقدم والاشتراكي الحفاظ على حضورهما، بينما يسعى العدالة والتنمية إلى استعادة جزء من موقعه السابق، ويخوض تحالف اليسار المنافسة بإمكانيات محدودة ولكن بحضور ميداني يسعى إلى تعويض الفارق التنظيمي والمالي.

