تحت القائمة

التحالف الحكومي والالتزامات الاتحادية العشرون

محمد السوعلي / عضو المكتب السياسي للاتحاد الاشتراكي

د. محمد السوعلي : الكاتب الاقليمي لحزب الاتحاد الاشتراكي بتطوان

يكشف التصريح الحكومي للولاية 2026–2031 عن تقارب سياسي وبرنامجي بين الأحزاب الأربعة المكونة للأغلبية، الأصالة والمعاصرة، والاستقلال، الاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية، والتقدم والاشتراكية. فرغم اختلاف مرجعياتها ومساراتها، تلتقي هذه الأحزاب حول تعزيز الدولة الاجتماعية، وتحقيق العدالة المجالية، وإصلاح المؤسسات، وبناء اقتصاد منتج يوفر الموارد الضرورية لتمويل الحقوق الاجتماعية.
ويشكل هذا التقارب أساساً للانسجام الحكومي، لأنه يقلص الاختلاف حول الأهداف الكبرى، دون أن يلغي تحديات ترتيب الأولويات وتعبئة التمويل.

وتتضح هذه الأرضية المشتركة عند مقارنة المحاور السبعة للتصريح الحكومي بالالتزامات العشرين للاتحاد الاشتراكي، ضمن عقودها الثلاثة: الاقتصادي والتشغيلي، والاجتماعي والمجالي، والديمقراطي والمؤسساتي.
العقود الاتحادية الثلاثة في صلب البرنامج المشترك
يحضر العقد الاقتصادي والتشغيلي في أولوية التصنيع والاستثمار والتشغيل ودعم المقاولات والسيادة الاقتصادية. ويتجسد العقد الاجتماعي والمجالي في تحسين القدرة الشرائية والمعاشات والحماية الاجتماعية، وإصلاح الصحة والتعليم والسكن، وتقليص الفوارق الترابية.

تحالف سياسي تؤطره اختيارات مشتركة

أما العقد الديمقراطي والمؤسساتي، فيجد امتداده في محاربة الفساد والريع وتضارب المصالح، وتعزيز الحقوق والحريات، وتفعيل الجهوية المتقدمة واللاتمركز الإداري.
هذه التقاطعات تمنح المشاركة الاتحادية مضموناً برنامجياً، وتجعل من التحالف إطاراً للعمل المشترك، لا مجرد اتفاق على توزيع المسؤوليات الحكومية.

الأرقام تكشف التقارب وحدود التوافق

تكشف المقارنة بين البرنامجين عن ثلاثة أوضاع مختلفة.
أولها أهداف متطابقة، أبرزها ضبط عجز الميزانية في حدود 3% من الناتج الداخلي الإجمالي. وثانيها أهداف مشتركة تختلف بشأنها درجة الطموح؛ فالبرنامج الاتحادي يستهدف نمواً لا يقل عن 6% سنوياً، ومديونية دون 60%، مقابل متوسط نمو حكومي في حدود 5% ومديونية تقارب 62% بحلول 2031.

أما الوضع الثالث، فيتعلق بالتزامات اتحادية محددة رقمياً لم يتبنَّ التصريح الحكومي أهدافها الكمية نفسها، ومنها إحداث 250 ألف منصب شغل صناعي، وخفض البطالة إلى أقل من 8%، ورفع متوسط الأجور بنسبة 20% والدخل الصافي للأجراء بنسبة 15%، وتقليص مدة الانتظار في الخدمات الصحية بنسبة 50%.

وفي المقابل، حددت الحكومة أهدافاً تتعلق بتكوين 100 ألف شاب سنوياً، وتمكين عدد مماثل من أول تجربة مهنية، ورفع الدعم الاجتماعي إلى 1000 درهم، والحد الأدنى للمعاشات الرئيسية إلى 3000 درهم.

وتبرز هنا خصوصية البرنامج الاتحادي: فقد صيغت التزامات عديدة بأهداف كمية ومؤشرات تسمح بالتدقيق والتقييم والمحاسبة. لكن تحديد الرقم لا يكفي لإثبات إمكانية تحقيقه؛ فالتنفيذ يقتضي تمويلاً وجدولة زمنية وقدرة مؤسساتية.
المشاركة الاتحادية: الترافع من موقع القرار

إن غياب بعض الأرقام الاتحادية عن التصريح الحكومي لا يعني التخلي عن أهدافها، بل يفتح مجالاً للترافع بشأنها داخل الأغلبية، وتحويلها تدريجياً إلى إجراءات قطاعية واعتمادات مالية، وفق الإمكانات المتاحة.

وفي هذا السياق، يستحق المسار التفاوضي الذي قادته القيادة السياسية للاتحاد الاشتراكي التنويه، بعدما أتاح للحزب الانتقال من موقع تقديم البدائل الانتخابية إلى المشاركة المباشرة في القرار الحكومي. غير أن قيمة هذا الانتقال ستتحدد بمدى قدرة الحزب على التأثير في الاختيارات التنفيذية، مع تحمل مسؤوليته التضامنية عن النتائج.

قانون مالية 2027: الاختبار الأول لنجاح التحالف

سيكون قانون مالية 2027 أول امتحان للتوافق الحكومي، من خلال تعبئة إيرادات إضافية، وتوسيع الوعاء الضريبي، وترشيد النفقات غير المنتجة، وتحسين مردودية الاستثمار، وضبط العجز والمديونية دون إضعاف الإنفاق الاجتماعي.
كما يتطلب النجاح تنسيقاً مستمراً بين مكونات الأغلبية، وحواراً اجتماعياً منتظماً، ومؤشرات سنوية تقيس مناصب الشغل المحدثة فعلياً، وتطور الأجور والدخل، وجودة الخدمات العمومية، وتقليص الفوارق المجالية.

إن الإرادة السياسية المشتركة شرط للنجاح، لكنها ليست بديلاً عن التمويل والنجاعة والمحاسبة. والرهان الاتحادي ليس مجرد إثبات حضور الالتزامات العشرين داخل البرنامج الحكومي، بل المساهمة في تحويلها إلى نتائج ملموسة.
فنجاح التحالف لن يقاس بانسجام خطابه، وإنما بقدرته على تحويل النمو الاقتصادي إلى تقدم اجتماعي يشعر به المواطنون.

تحت المقال