اقتحام سبتة.. تقرير ينتقي الاتهامات ضد الأمن المغربي ويتهرب من مسؤولية مدريد
عماد بنهميج / تطواني
أعاد التقرير الذي نشرته صحيفة «El Faro de Ceuta» بشأن أحداث اقتحام مدينة سبتة، تسليط الضوء على مقاربة إعلامية إسبانية تثير الكثير من علامات الاستفهام، بعدما ركز بشكل لافت على المسؤولين الأمنيين المغاربة بتطوان والمضيق والفنيدق، محاولا وضعهم في قلب المسؤولية عن الأحداث، دون أن يمنح المساحة نفسها للتساؤل حول تدبير الأجهزة الأمنية الإسبانية للجانب الآخر من الحدود.
فبدل تقديم قراءة متوازنة وشاملة لما جرى خلال تلك الأحداث، اختارت الصحيفة تسليط الضوء على تحركات مسؤولين أمنيين مغاربة، وتحليل إشاراتهم وتواصلهم مع العناصر الأمنية والمواطنين والمهاجرين، وكأن مجرد الوجود الميداني والإشراف على التدخلات الأمنية يشكل قرينة على المسؤولية عن وقوع الاقتحام.
والأكثر إثارة للاستغراب أن التقرير يتناول بتفصيل لافت خمسة مقاطع فيديو من أصل 73 مقطعا تقول الشرطة الإسبانية إنها تتوفر عليها، ويقدم قراءات وتأويلات لتحركات مسؤولين مغاربة، في وقت يظل فيه السؤال الجوهري مطروحا عن أداء الأجهزة الإسبانية نفسها، وموقعها من المسؤولية عن تدبير الحدود خلال تلك الساعات العصيبة.
لقد أظهرت مشاهد مصورة جرى تداولها خلال أحداث اقتحام سبتة سلوكيات وتدخلات لعناصر أمنية إسبانية تستوجب بدورها الفحص والتحقيق، خصوصا المشاهد التي أثارت تساؤلات بشأن طريقة التعامل مع تدفقات المهاجرين، ومدى صرامة المراقبة الحدودية، وما إذا كانت بعض التصرفات قد ساهمت في تسهيل العبور أو غض الطرف عنه. وهي معطيات لا يجوز تجاوزها أو التعامل معها بانتقائية، إذا كان الهدف فعلاً هو الوصول إلى الحقيقة.
الأكثر إحراجا لهذا التوجه الإعلامي هو موقف الحكومة الإسبانية نفسها. فقد سبق لرئيس الحكومة بيدرو سانشيز أن أعلن أمام البرلمان الإسباني، يوم 3 شتنبر 2026، أنه لا تتوفر حكومته على أدلة تثبت أن السلطات المغربية خططت أو نفذت عملية الاقتحام الجماعي لسبتة. بل أكد أن أياً من المؤسسات الدبلوماسية أو الأوروبية أو الدولية لم يقدم للحكومة الإسبانية دليلاً يثبت تورط المغرب في التخطيط للعملية أو تنفيذها.
وهو موقف رسمي يضع علامات استفهام كبيرة حول الطريقة التي يجري بها توظيف التقارير الأمنية والتغطيات الإعلامية اللاحقة، خصوصاً عندما تتحول مجرد مشاهد لمسؤولين مغاربة وهم يؤدون مهامهم إلى مادة لتغذية الشكوك والاتهامات، دون وجود إثبات قضائي نهائي يحدد مسؤوليتهم عن التخطيط للأحداث أو تدبيرها.
إن البحث عن المسؤوليات لا يمكن أن يكون باتجاه واحد، ولا ينبغي أن يتحول إلى عملية انتقائية تستهدف المسؤولين المغاربة، بينما تظل تصرفات الأجهزة الإسبانية خارج دائرة التدقيق الإعلامي بالحدة نفسها. فإذا كانت السلطات الإسبانية تسعى إلى تحديد من أشرف على التدخلات الأمنية في الجانب المغربي، فمن حق الرأي العام أيضا أن يعرف كيف جرى تدبير الجانب الإسباني، ومن أصدر التعليمات، وكيف تم التعامل مع موجات العبور الجماعي التي شهدتها الحدود.
كما أن محاولة ربط المسؤولين الأمنيين بتطوان والمضيق والفنيدق بمجمل تداعيات الأحداث، اعتمادا على ظهورهم في تسجيلات مصورة وهم يمارسون مهامهم الميدانية، تظل قراءة تحتاج إلى كثير من التدقيق، خصوصا أن التقرير نفسه يقر بأن الشرطة الإسبانية لم ترصدهم وهم يدفعون المهاجرين نحو سبتة، وأن التحقيق لا يزال مفتوحا لتحديد طبيعة الأدوار والمسؤوليات.
إن احترام الحقيقة يقتضي مساءلة جميع الأطراف، دون أحكام مسبقة أو توظيف سياسي وإعلامي للوقائع. كما أن التعاون الأمني المغربي الإسباني، الذي يشكل ركيزة أساسية في تدبير قضايا الهجرة وحماية الحدود، لا ينبغي أن يكون مناسبة لتوجيه الاتهامات من جانب واحد أو للتشكيك المجاني في عمل المؤسسات الأمنية المغربية.