من مدرجات الجامعة إلى ملاعب كرة القدم، مسار إعلامي وإنساني تختلط فيه ثقافة اللغة العربية بوفاء الصحفي لمهنته، وتواضع الإنسان الذي لم تغره الأضواء
ليس من السهل أن تكتب عن رجل اعتاد أن يكتب عن الآخرين، وأن تروي حكاية صحفي أمضى سنوات طويلة في متابعة أخبار الرياضة وتوثيق محطاتها، بينما ظل هو نفسه بعيدا عن الأضواء، قليل الحديث عن تجربته، ولا يميل إلى استعراض ما راكمه من سنوات العمل. لكن بعض الأسماء تستحق أن نمنحها المساحة التي لم تطلبها يوما لنفسها، وأن نعيد قراءة مساراتها بعين الإنصاف، لا بحثا عن المجاملة، بل اعترافا بقيمة الإنسان وما قدمه لمحيطه المهني والرياضي.
إنه عبدالسلام قروان، ابن مدينة تطوان، وأحد قدماء الصحافة الرياضية بها، الذي جمع في مساره بين التكوين الجامعي في اللغة العربية والعمل الإعلامي، وظل قريبا من ملاعب كرة القدم وأخبار الأندية الوطنية، وفي مقدمتها المغرب أتلتيك تطوان، الفريق الذي يحتل مكانة خاصة في ذاكرة المدينة ووجدان جماهيرها.
من جامعة عبد المالك السعدي إلى عالم الصحافة
قبل أن يكون عبدالسلام قروان صحفيا رياضيا، فهو خريج الجامعة، حاصل على الإجازة في اللغة العربية من جامعة عبد المالك السعدي مطلع تسعينيات القرن الماضي. وهو معطى يضيف بعدا ثقافيا إلى مساره، ويستحضر مرحلة كان فيها التكوين الجامعي والتمكن من اللغة من الركائز المهمة في بناء شخصية الصحفي وصقل أدواته في الكتابة والتعبير.
فالعلاقة بين اللغة والصحافة ليست علاقة عابرة؛ إذ تظل اللغة وسيلة الصحفي الأساسية لفهم الأحداث ونقلها وصياغة تفاصيلها، فيما يمنحه التكوين الثقافي قدرة على ترتيب الأفكار والتعبير عن الوقائع بوضوح ودقة. ومن هذه الخلفية الأكاديمية انطلق قروان نحو تجربة مهنية جعلت من الرياضة مجالا للاشتغال والمتابعة، ومن الصحافة وسيلة للتواصل مع القارئ ونقل ما يجري داخل الملاعب وخارجها.
وقد ارتبط اسمه بجريدة «المنتخب»، إحدى الصحف المغربية المتخصصة في الشأن الرياضي، منذ سنة 1999، وفق ما أوردته تقارير صحفية منشورة عنه سنة 2022. كما خاض تجارب إعلامية أخرى، شملت التعاون مع منابر صحفية، والمشاركة في العمل الإذاعي، في مسار يعكس امتداد اهتمامه بالشأن الرياضي عبر أكثر من وسيلة إعلامية.
صحفي من جيل آمن بالميدان قبل الأضواء
ينتمي عبدالسلام قروان إلى جيل من الصحفيين الذين ارتبط عملهم بمتابعة الأحداث الرياضية ونقل تفاصيلها إلى الجمهور، في زمن كانت فيه الصحافة المكتوبة تحتل موقعا أساسيا في تشكيل الرأي الرياضي وتوثيق مسارات الأندية واللاعبين.
وعلى امتداد تجربته، واكب أخبار كرة القدم الوطنية، واهتم بمستجدات الأندية، وبتفاصيل التسيير والتغييرات التقنية والانتدابات، فضلا عن متابعة المباريات والنتائج. وقد شكل المغرب أتلتيك تطوان أحد أبرز محاور اهتمامه الصحفي، بالنظر إلى علاقته بمدينة تطوان وما تمثله كرة القدم في حياتها الرياضية والاجتماعية.
ولعل من أبرز المحطات التي تتيح استحضار هذا الجانب من تجربته مواكبته لأخبار الفريق خلال فترات مختلفة من تاريخه، بما فيها مرحلة التتويج بلقب البطولة الوطنية الاحترافية سنة 2014، وهي السنة التي عاش فيها التطوانيون واحدة من أجمل لحظات الفرح الكروي.
إن الصحفي الذي يواكب فريقا لسنوات لا يكتب عن تسعين دقيقة تنتهي بصافرة الحكم فقط، بل يسجل أيضا ما يسبق المباريات وما يليها، ويرصد التحولات التي تعرفها الإدارة والطاقم التقني والتركيبة البشرية، ويحتفظ، من خلال ما ينشره، بشيء من ذاكرة النادي والمدينة.
ومن هذه الزاوية، تكتسب تجربة قروان أهميتها؛ فهي جزء من الحضور الإعلامي الذي رافق كرة القدم التطوانية، وأسهم في نقل أخبارها إلى القراء والمتابعين.
التواضع.. الوجه الآخر لعبدالسلام قروان
لكن ما يجعل الحديث عن عبدالسلام قروان مختلفا لا يتوقف عند مساره المهني أو تكوينه الجامعي، بل يمتد إلى شخصيته الإنسانية، كما يعرفها عنه محيطه.
فهو إنسان متواضع جدا، خجول بطبعه، لا يحب الاستعراض ولا يسعى إلى احتلال الواجهة، ويميل إلى الابتعاد عن الأضواء، حتى وهو ينتمي إلى مهنة يرتبط جانب منها بالحضور والظهور والتواصل المستمر مع الجمهور.
وفي زمن أصبح فيه الظهور لدى البعض غاية في حد ذاته، يظل قروان أقرب إلى أولئك الذين يفضلون أن تتحدث أعمالهم عنهم، وأن يحتفظوا بمسافة بينهم وبين مظاهر التباهي. لا يسعى إلى تقديم نفسه باعتباره صاحب تجربة استثنائية، ولا يجعل من سنوات اشتغاله وسيلة للتميز على الآخرين، بل يواصل حياته ببساطة، محافظا على طبيعته الهادئة والخجولة.
وهذه الخصلة، في حد ذاتها، تمنح بورتريه هذا الصحفي بعدا إنسانيا يستحق التوقف عنده. فليست كل التجارب المهنية مصحوبة بالرغبة في الشهرة، وليس كل من أمضى سنوات في مهنة ما مطالبا بأن يجعل من نفسه محط الأنظار. هناك من يكتفي بأن يؤدي عمله، ويترك للزمن ولما أنجزه مهمة الحديث عنه.
من أسرة بسيطة إلى مسار مهني طويل
ينحدر عبدالسلام قروان من أسرة فقيرة، وظل، بحسب المعطيات المتوفرة عنه، يعيش ببساطة رغم السنوات التي قضاها في المجال الإعلامي. وهي مفارقة تفتح بابا للتأمل في أوضاع الصحافة الرياضية، وخاصة الصحافة المحلية، حيث لا تعني سنوات الخبرة بالضرورة تحقيق الاستقرار المادي أو الانتقال إلى حياة مريحة.
غير أن تناول هذه الخلفية الاجتماعية ينبغي ألا يحولها إلى عنوان للشفقة، أو أن يختزل الرجل في ظروفه المعيشية. فقيمة قروان لا تكمن في صعوبة البدايات وحدها، بل في اختياره طريقا مهنيا واصل السير فيه، وفي محافظته على شخصيته المتواضعة رغم ما راكمه من تجربة.
وتطرح حكايته، في الوقت نفسه، سؤالا أوسع عن مكانة الصحفي الرياضي المحلي، الذي يقضي سنوات في مواكبة الأحداث، ويقدم مادة إخبارية وتوثيقية لجمهوره، بينما قد لا يجد دائما من الاستقرار ما يتناسب مع حجم الوقت والجهد اللذين تتطلبهما المهنة.
فالاعتراف بالصحفي لا ينبغي أن يظل محصورا في كلمات الثناء أو لحظات التكريم، بل يفترض أن يشمل تقدير عمله واحترام تجربته والاهتمام بالظروف التي تمكنه من مواصلة عطائه بكرامة.
الإذاعة والوفاء لذاكرة الكرة التطوانية
لم يقتصر حضور قروان على الصحافة المكتوبة، بل امتد إلى المجال الإذاعي، حيث شارك في تجارب إعلامية مرتبطة بالشأن الرياضي، بما أتاح له المساهمة في النقاشات التي تهم الأندية والجمهور.
ومن المحطات التي تستحق الاستحضار مشاركته في حلقة إذاعية خاصة نظمتها إذاعة تطوان الجهوية في أبريل 2022، احتفاء بعودة المغرب التطواني إلى القسم الأول. وقد جمعت هذه المناسبة عددا من الفاعلين والإعلاميين الذين واكبوا مسيرة الفريق، وكان قروان من بين المشاركين الذين استُحضر حضورهم الإعلامي في هذا السياق.
كما حظي بمبادرات تكريمية سنة 2022، من بينها مبادرة جمعية قدماء لاعبي المغرب التطواني لكرة القدم وجمعية قدماء لاعبي شباب طويلع، إلى جانب تكريمه خلال دوري الصحافة بمدينة مرتيل في أبريل من السنة نفسها، في إطار الاحتفاء بإعلاميين راكموا تجارب في خدمة الرياضة المحلية.
وتكتسب هذه الالتفاتات قيمتها من كونها تذكر بأن وراء الأخبار والتقارير والمباريات أشخاصا يشتغلون في صمت، وأن ذاكرة الرياضة لا تُصنع داخل المستطيل الأخضر وحده، بل تساهم في بنائها أيضا الأقلام التي تسجل الوقائع وتحفظ تفاصيلها من النسيان.
حين يصبح التواضع جزءا من الحكاية
قد لا يكون عبدالسلام قروان من الصحفيين الذين يحرصون على الحضور الدائم في المناسبات أو على تقديم أنفسهم باستمرار إلى الجمهور، لكنه ينتمي إلى فئة من الإعلاميين الذين يمكن استحضار مسارهم من خلال ما راكموه من عمل وتجارب، ومن خلال علاقتهم بالمهنة والمحيط الذي اشتغلوا فيه.
إنه صحفي جمع بين شهادة جامعية في اللغة العربية وتجربة في الصحافة الرياضية، وواكب لسنوات أخبار كرة القدم الوطنية، وظل وفيا لاهتمامه بالمغرب التطواني وبالحياة الرياضية في مدينته. وفي الوقت نفسه، حافظ على بساطته وابتعاده عن الاستعراض، في صورة إنسان لا يبدو أن الأضواء كانت يوما هدفه الأساسي.
ولعل أجمل ما يمكن أن يقال في حقه أن الحديث عنه اليوم ليس محاولة لصناعة صورة مثالية أو المبالغة في وصف مساره، بل محاولة لإنصاف تجربة تستحق أن تُروى، ولتسليط الضوء على جانب إنساني كثيرا ما يغيب عندما ينحصر الحديث عن الصحفيين في عناوينهم المهنية وأسماء المنابر التي اشتغلوا معها.
عبدالسلام قروان.. اسم يستحق أن تحفظه ذاكرة تطوان
في نهاية المطاف، يظل عبدالسلام قروان واحدا من أبناء تطوان الذين ارتبطت أسماؤهم بالصحافة الرياضية، ومن قدماء الإعلاميين الذين واكبوا تحولات كرة القدم الوطنية واهتموا بتوثيق أخبار أنديتها، وفي مقدمتها المغرب أتلتيك تطوان.
من مدرجات الجامعة، حيث حصل على الإجازة في اللغة العربية مطلع التسعينيات، إلى صفحات «المنتخب» والمنابر الإعلامية الأخرى، امتدت رحلة مهنية وإنسانية عنوانها العمل الصحفي والتواضع والابتعاد عن الأضواء.
إن الإنصاف الحقيقي لمثل هذه التجارب لا يتحقق بمجرد كتابة مقال عنها، بل أيضا بجمع أرشيفها وتوثيق محطاتها وإبراز مساهمتها في تاريخ الإعلام الرياضي المحلي. فالأجيال الجديدة تحتاج إلى معرفة من سبقها، ليس فقط من خلال الأسماء اللامعة التي تتصدر المشهد، بل كذلك من خلال أولئك الذين اشتغلوا بهدوء، وتركوا بصمتهم في الصفحات التي قرأها الناس وفي الذاكرة التي احتفظت بها المدينة.
عبدالسلام قروان حكاية صحفي تطواني من جيل آمن بالمهنة، وحكاية إنسان لم تدفعه سنوات التجربة إلى التخلي عن بساطته. وربما تكمن دلالة مساره في هذه المفارقة الجميلة: أن يظل المرء بعيدا عن الأضواء، بينما تستحق تجربته أن تكون تحتها، لا من باب الاستعراض، بل من باب الوفاء والاعتراف.