محمد الخشين : عن المعرض الفني التشكيلي الثلاثي “حينما يعبر الفن عن ذاته”
بمشاركة الفنانة لورانس فون دير وايد(سويسرا)، الفنان مروان عوينات (المغرب) والفنانة رشا النقيب(العراق) برواق EIGHT CONCEPT بالدار البيضاء ابتداء من 22 ديسمبر 2022 إلى غاية 22 يناير 2023.
1-لورانس فون دير وايد: ولدت في سويسرا وتكونت بباريس، وهي تمارس نشاطها الإبداعي كفنانة فوتوغرافية مستقلة منذ عام 2010.وبموازاة مع مشاريعها الشخصية، فهي على تعاون مستمر مع بعض وكالات التواصل ومع مصممين غرافيكيين، وأصبحت ابتداء من 2012 هي التي تنجز بورتريهات المجلة الفصلية لاكوهورت لتبادل المساعدة بين أعضاء النظام الوطني لجماعة الشرف .وعبر مقاربة وثائقية تتطلع فون دير وايد إلى التعبير عن عزلة الشخوص داخل إطار مقيد، ومن هنا عرضت أعمالا تتمحور حول هذا الموضوع من قبيل معرض “زمن الهواء”، وهو يحتوي على بورتريه للقاطنين والقاطنات بمنزل فخم للتقاعد قريب من لوزان، أو أعمالها ضمن معرض “في انتظار الخلود”، وهو إطلالة على الإيقاع الرتيب للحياة الدينية اليومية المنعزلة في دير كائن في جبل .

إن السؤال السوسيولوجي الذي يطرحه جزء من أعمال فون دير وايد هو: كيف يشيخ المرء بشكل مؤسسي؟وكيف يعيش القاطنون في دور التقاعد؟ وكيف بإمكانهم أن يجدوا ذواتهم في هذه المنشأة الجماعية الخاصة، الموسومة بالشيخوخة، العجز والموت؟ ومن المعلوم أن دور العجزة وصفت من قبل غوفمان(1968) أو فوكو(1975) ابتداء من سنوات 1970 بالمؤسسات “الكليانية” totalitaires أو “التأديبية”، حيث يخضع النزلاء لنظام صارم يعدل في الوقت نفسه شروط عيشهم المادية وهوياتهم الاجتماعية والشخصية.ضد هذا النوع من التنظير الذي أصبح شائعا، بين باتريك شمبانيPatrick Champagne إمكان خلق نوع من البيت الخاص بالفرد داخل المؤسسة، أي عالما خاصا في الحياة الجمعية، وهذه المؤسسة ليست استثناء بالقياس إلى الإكراه الذي تمارسه على الأفراد، فهي مثل سائر المؤسسات في كافة ميادين المجتمع، لا يمكن أن توجد بدون قواعد قانونية صارمة .
وجدير بالذكر أن فون دير وايت وصلت إلى الأدوار النهائية لجائزة فوطو بات، من خلال سلسلة”ركاب” ضمن معرض سوثيبيز زوريخ Sotheby’s Zurichعام 2015، خريجة S F R للمواهب الشابة بباريس عام 2014 عن السلسة نفسها، كما تمكنت قبل ذلك من بلوغ النهاية في جائزة فيرجينيا من خلال سلسلة “في انتظار الخلود”عام 2012، ومن الفوز بجائزة الكفاءة في التصوير عن سلسلة “زمن الهواء” المعروضة بصالون الصورة.
2- مروان عوينات: ازداد مروان عوينات عام 1987 بمدينة الرباط، وكانت نشأته الأولى بحي اليوسفية في وسط شعبي، وعندما أنهى دراسته خلال الفترة الثانوية التأهيلية، حيث درس في الجذع المشترك بشعبة الآداب بالثانوية التأهيلية “أبي بكر الصديق”، قبل أن يلج قسما أعلى في شعبة الفنون التطبيقية، وكرر السنة السنة الأولى فقط للبقاء مع نفس المجموعة من زملائه، من بينهم وسيم الزيدي(يعيش الآن بين دبي وقطر، ويشتغل في السينما، وهو بطل فيلم “ماجد” المغربي، وهو في الوقت نفسه مؤلف موسيقي)،أما بقية أفراد المجموعة فهم:محمد العلمي، سكينة غضفان، هاجر لورتيسكي، وقد أنجز كل واحد منهم مساره في مجال الفن دون إكمال الدراسة.وكانت أهم المواد المدرسة هي:الرسم، الفن الغرافيكي، تاريخ الفن، النحت، الصباغة، التشخيص، التحليل الفني والديزاين، وقد شمل هذا الأخير تصميم المنتوج، المحيط والتواصل. يحكي مروان عن هذه المرحلة بكثير من الشجن:”كانت مرحلة مهمة جدا بالنسبة لي، وقد كانت علاقتي إبان ذلك مبنية على رابطة قوية جدا بالأستاذ عزام مذكور(فنان وناقد في آن)ومحمد نحار (أستاذ تاريخ الفن)، محمد همام أستاذ مادة التواصل وتصميم المحيط، ثريا مؤدب أستاذة مادة التواصل وعبد السلام القرمادي أستاذ تاريخ الفن”.وقد ولج مروان إلى المعهد الوطني للفنون الجميلة بعد أن أحرز على شهادة الباكالوريا عام 2009.

يستمر هذا الفنان في مشروع كان قد بدأه خلال منتصف العام الجاري ويتعلق بسلسلة كبيرة من الأعمال التي تؤرخ لفن الجاز.لكن ما وراء هذه الأعمال حول الجاز هناك الإيحاء بالبعد الإفريقي للمغرب وهو يتجسد ثقافيا في” الفن الكناوي” الذي يتأقلم بكل مرونة مع موسيقى الجاز والبلوز، والذي يحتاج إلى جهود حثيثة لإخراجه من الطابع الذي بدأ يتخذه كوسيلة للتسول في مختلف المدن المغربية، ومن قصر تلقيه على حفلات الزفاف ومختلف المهرجانات كأداة لجلب الجمهور إلى فن عالمي له مكانته الرفيعة من بين الفنون الشعبية عبر العالم، مما يستدعي بالضرورة إنجاز تعديلات على متونه وإخراجها إلى الوجود من طرف مؤلفين موسيقيين وأدائه من قبل أجواق سمفونية محترفة، وتصميم رقصاته باعتماد أساليب حداثية كما فعل الفنان المغربي عبد اللطيف الزين في تجربة رائعة سبق أن قام بها في مدينة الدار البيضاء عام 2016 .لكن هذه الأعمال تثير أيضا إدانة للتاريخ الذي جعل الغرب يستعبد الأفارقة ويهجرهم في ظروف تعجز اللغة عن التعبير على مدى وحشيتها ولا إنسانيتها، وهناك قيمة التعايش الكونية على اعتبار أن الجاز عامل يوحد البشرية، فثمة جاز إسباني، فرنسي، إيطالي، عربي ومغربي … ولا يجب أن ننسى بأن المغرب لديه موسيقى الجاز الخاصة به التي تجاوزت حدود البلد.ومن بين أبرز الأسماء التي يمكن ذكرها في هذا السياق أرماند المالح الذي ذهب إلى باريس عام 1967 من أجل تقديم عروض فنية، فقد “ابتكر جاز الدقة، انطلاقا من إيقاع الدقة في تارودانت ومراكش، ولدى قبائل أحيدوس” .

3- رشا النقيب: تنحدر من بغداد، حيث عاشت إلى حين بلوغ ربيعها الثالث عشر قبل أن تنتقل للعيش بمدينة الدار البيضاء بالمغرب، ومنذ هذا الحين أصبحت هوايتها المفضلة هي الرسم، وعند نهاية سنوات دراستها، ولجت مدرسة الفنون الجميلة بالبيضاء لدراسة الرسم، وعلى إثر ذلك شرعت في البحث عن نفسها عبر تجريب أساليب فنية متنوعة حتى تكتشف ذاتها في الصباغة التجريدية، مستعملة وسائل مختلفة في الرسم ضمنها الكولاج.

التجريد الذي تتوسل به رشا النقيب تمرير رسائلها يتيح إمكان بروز أشكال رمزية تحتمل قدرا من التجسيم للتعبير عن قضايا معينة، لعل أبرزها قضية المرأة العربية في مجتمع يواجه عددا من العوائق التي تقف في وجه حداثته، ما يطرح التساؤل: كيف يمكن للمرأة الحداثية مقاومة مجتمع تقليدي يدين أسلوبها في التفكير ونمط العيش الذي تريدها لنفسها؟ ويبدو بأن اللوحة عند هذه الفنانة ذات روح تفاؤلية بحيث قد يكن التسلح بالعلم والمعرفة هما السبيل إلى التحرر الشامل للنساء، فلا حرج إن غرفتهما من ثقافة الآخر الغربي، وهذا القراءة ممكنة إذا ما اعتبرنا بأن اللون الأزرق هو الذي يومئ إلى الغرب كغرب، وبأن البياض الذي يتخلله رمز التنوير الآتي من الشمال، وافترضنا بأن الشكل الذي يتوسط اللوحة أسفله يجسد صورة امرأة عصرية تطمح إلى أن تكون حرة.
