
وأنا منهمك في عملية بحث بين ثنايا الصحف الإسبانية الصادرة بتطوان على عهد الحماية، المتواجدة ضمن أرشيفات الخزانة العامة للمحفوظات بمدينة تطوان، وقعت عيناي على مقال قيم ورفيع منشور بصحيفة El Norte de África، خلال شهر مارس من سنة 1922، والتي كانت تصدر بشكل يومي بمدينة تطوان في أربع باللغة القشتالية، ما بين 1918 و1930، متضمنة مواضيع متنوعة تهم وقائع وأحداث يومية من مختلف مدن منطقة الحماية الإسبانية بشمال المغرب، مستجدات جبهة القتال في الريف، أعمال ومنجزات إدارة الحماية الإسبانية بالمنطقة، إضافة إلى بعض الإعلانات الإشهارية…
المقال موضوع هذا التقرير يحمل عنوان El embrujo de Tetuán (سحر مدينة تطوان)، وموقع من طرف الدكتور «سيزار خواروس» César Juarros ومكتوب بأسلوب أدبي بديع. بعد قراءة متمعنة له، قررت ترجمته الى اللغة العربية، بغاية انتشاله من رفوف النسيان ونفض الغبار عنه.
وتجدر الإشارة أن الدكتور «سيزار خواروس» مزاد بمدريد سنة 1879 وتوفي بها سنة 1942, وهو طبيب عسكري متخصص في الأمراض العقلية والعصبية وعلم النفس التربوي والتحليل النفساني. اشتغل كمتعاون مع جريدة El Norte de África ما بين 1922 و1927. عضو الأكاديمية الملكية الإسبانية للطب. له عدة إسهامات علمية في شكل مقالات ومؤلفات من بينها كتاب La ciudad de los ojos bellos: Tetuán. (مدينة العيون الجميلة: تطوان) صادر سنة 1922. وهذا هو نص المقال كما ترجمته إلى اللغة العربية، فيما تجدون رفقته المقال الأصلي ( ينشر في مقال منفصل باللغة الإسبانية ).

تطوان مدينة بيضاء فاتنة، لو وضعت في أيادي أخرى لصارت مركزًا للسياحة العالمية. قليلة هي الحواضر التي سيكون بمقدورها منافستها من حيث التدفق الجمالي. ساعتان من التجوال عبر أحد أحياء السكان الأصليين، ستجعلانك تغادر بطعم مثل النبيذ الجديد في فمك وروح متفتحة. فأين يكمن سحر تطوان، إذن؟
لا تتوقع أية انطباعات روائية أو حنين إلى مغامرات حروب الاسترداد. الانطباعات هنا تختلف تماما، مثلما لو قمت بتمرير يدك فوق سجادات قديمة منسوجة بخيوط ذهبية. لن يخفق قلبك أبدًا كما في إشبيلية، حريصًا على الغناء وأخذ حمام الشمس. لن تتسلل إلى نفسك تلكم الرومانسية الموسيقية، التي تفوح منها رائحة البخور الخاصة بالمدن القشتالية القديمة مثل طليطلة، وسيغوفيا، وبورغوس، وآفيلا. لن تعاني من تلكم الكآبة الفريدة الملونة بالأسود والأخضر والمليئة بالهواجس مثلما يحدث في سانتياغو وأوفييدو. الإغراء في تطوان من نوع آخر.
إنها تبعث في روحك إحساسًا حارقًا بالشهوانية. جدرانها رتيبة ومفتقرة للأعمدة والنوافذ. أزقتها متاهية ومعظمها بلا منافذ، ضيقة وخالية، تدنو الشمس منها بشقاوة.
لا زهور ولا أشجار ولا أبواب ضخمة.
هدوء وصمت، وأبعاد معادة، صغيرة دائما، كما لو كان قد وضعها شخص حسير البصر.
لماذا إذًن تمتلك هذه المدينة كل ذاك السحر المفعم بالأنوثة المخملية الذي يجعل من كل زائر لها شاعرًا؟
إنها مدينة أنثوية، ربما لأن نسائها قلما تطأ أقدامهن الشوارع. أنثى، عفيفة، ووقورة. عليك أن تتخيل رونقها. جمالها يشبه عزفا على البوق يلهب الخيال. وأعجوبتها، ليست كأعجوبة الفانوس السحري، بل مثل المحفزات. لا تكمن فيما تُظهِره، وإنما في تلك الأوانس اللاتي يشغلن بالك، بينما تحلم بهن، وتتمناهن. إنها مدينة فاتنة. وهنالك، داخل ذاك الفضاء الحميمي، خلف أسرار الفناء الداخلي، تحدث المعجزات. حيث تكتنف الصخور الزهور في ربيع غير منتظر، وتتشكل الجدران الخربة من جديد، ويشتعل الرماد، وتجف العيون الدامعة بنيران الشغف.
سر ببطء شديد عبر تلك الأزقة. قد تصادف في بعض الأحيان شخصًا أوروبيًا واقفًا وعيناه شبه مغمضتين، كما لو كان على وشك النوم وقوفا. لا تلقوا له بالا؛ فإنه يتابع عرضا لأفكاره المجنونة، التي أطلقت العنان لرؤية عابرة لامرأة مغربية في نهاية ذاك الزقاق. غامضة مثل المطمورة، ضيقة جداً كمدخل قبر منسي، صامتة كما لو كانت معتكف دير مهجور.
لا، لا تتوقعوا هنا تلكم العجائب البلاغية للشعر الغرناطي؛ هنا يكمن سر القوة الإيحائية في ذاك السحر الغامض، الذي يجعل المرء يرى ما لا يوجد، ويحب ما لا يعرف، ويشعر بالغيرة مما لا أثر له. كما لو أن إلها رحيما يمارس علينا خدعة بواسطة أوهام لم نكن ندركها، رغم أنها ملك لنا.
إن الضياع في متاهات حي السكان الأصليين يعادل ترك نفسك تتعقب مغني شعبي متقلب، وهو يستمتع بإغراء غريب يتمثل في حمل قلبنا المدخن مثل الشعلة، بينما نتخيل وجود تلك العذراء التي تأمل سرقته منا خلف كل باب.
إنها معجزة زنابق وسواسن الشعر الخالد التي لا يمكن مشاهدتها إلا ها هنا. لا مجال هنا لأية مقاومة. حتى ذاك الذي لا يمكنك تصوره أبدًا، أي ذاك الشخص الأكثر صلابة بين البشر، ذاك الذي لم يقبل زهرة قط، الشخص الأكثر أنانية، من لا يحب الأطفال، الأكثر وقاحة، بل حتى الشخص الذي لم يعشق أبدًا، سوف ينكشف هنا وسينفجر من وقع الجمال.
هل هناك من ممتعض من الحياة لن يكون بمقدوره التصالح مع ذاته إذا ما قدم إلى تطوان للتجول في شوارعها الساحرة!
تطوان، أيتها الساحرة الإلهية: انت تستحقين إجلالا أكبر مما تحضين به!
د. سيزار خواروس،
