تحت القائمة

في قلب تحقيق سري – الحلقة الثامنة .. أربع أطنان فوق الماء

معطيات خاصة حصل عليها موقع “تطواني” تكشف تفاصيل واحدة من أخطر مراحل التحقيق الأمني الذي قادته وحدات متخصصة إسبانية ضد شبكة يقودها السبتاوي من أصول مغربية الملقب بـ”الحاج” مصطفى الشعيري بروزي، الرجل الذي كان – بحسب المحققين – يدير عمليات التهريب كما تدار العمليات العسكرية.

في صيف 2025، كانت أعين المحققين الإسبان مركزة على شبكة لم تعد تتحرك كعصابة تقليدية لتهريب الحشيش، بل كمنظمة عابرة للحدود، تملك المال، والزوارق السريعة، وشبكات التمويل، وخلايا التنسيق الممتدة بين شمال المغرب، سبتة، ماربيا، الجزيرة الخضراء، وغاليسيا.

مراقبة فندق فاخر… وبداية الخيط

لم يكن صباح الثاني والعشرين من غشت 2025 يوحي بأن البحر الذي يفصل شمال المغرب عن الجنوب الإسباني كان على وشك أن يبتلع واحدة من أخطر قصص التهريب التي عرفتها المنطقة في السنوات الأخيرة. في تلك الساعات الهادئة، كانت فرق المراقبة الإسبانية تنتشر بصمت قرب Hotel Apartamentos Vista Real، ترصد تحركات رجال لا يتحركون كالسياح، ولا ينظرون إلى الشوارع كالعابرين العاديين.

داخل الفندق كان يقيم ثلاثة أشخاص وضعتهم الأجهزة الأمنية تحت عدسة المتابعة الدقيقة؛ الإسباني Pablo García Fernández، والمغربي Dris El Moukarrabe، ورفيقهما Adrián Outón Mora. لم تكن الأسماء وحدها ما أثار الشكوك، بل الطريقة التي يتحرك بها الرجال، وكأنهم يعرفون أن العيون تراقبهم من بعيد.

عند الظهيرة تقريبا، غادر الثلاثة الفندق على متن سيارة سوداء من نوع Audi A5، وانطلقوا نحو مالقا. على الطريق السريع، بدأت السيارة تنفذ مناورات غريبة؛ تغيير مفاجئ في الاتجاه، تخفيض للسرعة دون سبب، ثم انعطافات متكررة بدت وكأنها اختبار خفي لاكتشاف أي سيارة تلاحقهم. بالنسبة للمحققين، كان ذلك السلوك دليلا على أنهم أمام رجال محترفين اعتادوا العيش تحت المراقبة.

اجتماع ماربيا… الرجل الغامض يدخل المشهد

في ماربيا، توقفت السيارة قرب مطعم Lobito de Mar، وهناك بدأ فصل جديد من التحقيق. رجلان من أصول عربية وامرأة مجهولة جلسوا إلى الطاولة نفسها مع القادمين من الجنوب. وسط الأحاديث والنظرات الحذرة، برز اسم Nordin Hamad Mohamed باعتباره الشخصية الأكثر غموضا في اللقاء. المحققون لاحظوا منذ اللحظة الأولى أن الحديث الحقيقي لم يكن جماعيا، بل كان يدور بهدوء بين نور الدين وبابلو غارسيا، بعيدا عن الضجيج المحيط بالمطعم.

بعد ساعات طويلة، خرج الرجلان إلى الخارج، وابتعدا عن بقية المجموعة. كانا يتحدثان بطريقة توحي بأن شيئا كبيرا يطبخ في الخفاء. لم يكن اللقاء مجرد جلسة تعارف أو صفقة صغيرة. كل ما التقطته الكاميرات وأعين المراقبة كان يوحي بأن جنوب إسبانيا أصبح ساحة لتنسيق عملية ضخمة تمتد خيوطها إلى الضفة الأخرى من المتوسط.

بعد أيام قليلة فقط، بدأت الصورة الحقيقية تظهر من داخل سيارة Mercedes GLB يستعملها المغربي Mustapha Chairi Brouzi، الرجل الذي تصفه الوثائق الأمنية بأنه العقل المدبر لشبكة تهريب دولية تعتمد على الزوارق السريعة، والتخزين السري، وخلايا التنسيق البحري الممتدة بين المغرب وإسبانيا.

التنصت يكشف غرفة العمليات السرية

أجهزة التنصت التي زرعتها الشرطة داخل السيارة كانت تلتقط تفاصيل عالم كامل يتحرك في الظلام. لم يكن الحديث يدور عن شحنات عادية، بل عن “صناديق”، و”أكل”، و”أرقام”، وهي كلمات مشفرة تشير، بحسب المحققين، إلى أطنان من الحشيش، ونقاط التسليم وسط البحر، وإحداثيات العبور الليلي.

شيئا فشيئا، بدأت ملامح الشبكة تتضح بالنسبة للأجهزة الأمنية. فالمشتبه الرئيسي مصطفى الشعيري لم يكن مجرد مهرّب تقليدي، بل رجل يدير إمبراطورية صغيرة فوق الماء. كان يتحرك بين سبتة وإسبانيا كما لو أن البحر ممر خاص به، يتواصل مع ممولين، ووسطاء، وناقلين بحريين، وعناصر لوجستية، بل وحتى شخصيات لها علاقات قديمة بعالم الأمن الإسباني.

التحقيقات حينها، كشفت أن الشبكة كانت تعتمد على زوارق فائقة السرعة تبقى أياما وسط البحر، في انتظار التعليمات الأخيرة. الرجال المكلفون بالنقل كانوا يختبئون في عرض المتوسط بمحركات مشتعلة، يستهلكون الوقود ويترقبون الإشارة التي تسمح لهم بالاقتراب من الساحل المغربي، حيث تتم عملية نقل الشحنات من قوارب صغيرة قادمة من الشواطئ المعزولة.

وفي واحدة من أخطر مراحل التحقيق، التقطت أجهزة التنصت إشارات واضحة إلى وجود أطنان من الحشيش مخزنة في المغرب وجاهزة للنقل. المحققون اقتنعوا أن الشبكة لم تعد تتعامل بالكيلوغرامات، بل بالأطنان، وأن العملية التي يجري التحضير لها تتجاوز كل ما تم رصده سابقاً في المنطقة.

“142 حقيبة” عملية التهريب الكبرى تبدأ

في شتنبر من السنة الماضية، دخلت الشبكة مرحلة التنفيذ، بعد أن كثفت من الاتصالات، وأصبحت التحركات أكثر سرعة وعناصر الشبكة كانوا يتحدثون عن مئات “الحقائب”، وعن نقاط انتظار وسط البحر، وعن زوارق صغيرة تتولى نقل الشحنات من الساحل المغربي نحو زوارق أكبر قادرة على اختراق المياه الإسبانية بسرعة هائلة.

في إحدى الليالي، كان البحر يتحول إلى مدينة سرية عائمة. أضواء خافتة تظهر ثم تختفي، ومحركات تقترب في الظلام، وإحداثيات تنتقل عبر هواتف مشفرة. كل شيء كان يتم بدقة شبه عسكرية. رجال ينتظرون فوق الماء لساعات طويلة، وقوارب تتحرك بلا أضواء، وشحنات ضخمة تمر في صمت بين قارتين.

الأجهزة الأمنية الإسبانية أصبحت تدرك أنها أمام تنظيم مختلف تماما عن شبكات التهريب التقليدية. شبكة تمتلك بنية إجرامية كاملة، التمويل، والوسائل اللوجستية، والقدرة على تحريك أطنان من المخدرات عبر البحر دون أن تترك أثرا واضحا.

شبكة دولية… وليست مجرد عصابة

الأخطر في الملف أن التحقيقات كشفت امتدادات الشبكة داخل المغرب وإسبانيا وهولندا، مع ظهور أسماء جديدة مرتبطة بالتمويل والحماية والتنسيق البحري. بعض التسجيلات كانت توحي بوجود علاقات مع شخصيات نافذة، وأخرى كشفت أن الشبكة كانت قادرة على إبقاء عشرات الرجال عالقين وسط البحر لأيام كاملة في انتظار إتمام عمليات النقل.

وسط كل هذا، ظل اسم مصطفى الشعيري البروزي يتكرر باستمرار داخل الوثائق الأمنية، كرجل لا يتحرك بعشوائية، بل يدير شبكة كاملة من خلف هاتف وسيارة وزوارق تنتظر أوامره في عرض المتوسط.

وبينما كانت المحركات تواصل هديرها فوق الماء، كانت الأجهزة الأمنية تدرك أن ما يجري ليس مجرد تهريب حشيش، بل حرب خفية تدار في الظلام بين شبكات عابرة للحدود وأجهزة تلاحقها بصمت، في واحدة من أخطر الملفات التي عرفتها سواحل سبتة وشمال المغرب.