أنصاف المثقفين هم فئة تقف عند منتصف الطريق ما بين الثقافة وانعدامها، ما بين الوعي والجهل، ما بين النور والظلام، ما بين الحقيقة والمغالطة، ما بين الصواب والخطأ؛ فهم يحملون في نفس الوقت بعض رواسب الجهل والانحطاط والتخلف، وأدوات العلم والمعرفة والثقافة. إنهم يجيدون القراءة والكتابة واستعمال الحواسب وباقي الوسائل الالكترونية العصرية، وغالبا ما تلقاهم يحملون بعض الكتب والمجلات والصحف، إلا أنهم يسخرون كل ذلك لخدمة الجهل ومحاربة الوعي أكثر مما يستخدمونه لتكريس الثقافة والمعرفة والكفاءة. لدى، فإن أشباه المثقفين هم أكثر خطورة على المجتمع من الجاهل.
فالمثقف الملتزم ينشر أنوار العلم والفكر والمعرفة داخل المجتمع، والتي يتلقاها الجاهل إما بالقبول وإما بالرفض. والجاهل جاهل بجهله، وموافقه عفوية وانفعالية في الغالب. أما أنصاف المثقفين فعالمون بجهلهم ويبدلون قصارى الجهود لإخفائه، ومواقفهم مخطط لها بمظهر العالم وجوهر الجاهل، بمبدأ الثابت ومصلحة المتخاذل… ونقاشاتهم عقيمة، لا تستقيم على حال لأن من صفات أشباه المقفين أنهم يخلطون الأمور خلطا، حتى تضيع الحقيقة وتلتبس الأمور على العامة، حينما تجدهم يلبسون الجهل ثوب المعرفة والحقيقة رداء الكذب والمغالطات.
وتكمن خطورتهم في كونهم كثر وشرسون للغاية في نشر اللبس والتخاذل والتفاهة والسطحية والدفاع عن كل ذلك. هم مصلحجيون وانتهازيون ومتسلقون بالطبيعة، وينفذون بسرعة إلى الواجهات ومراكز القرار والسلطة، لأن ذلك يشكل أساس وجودهم أو “Leitmotiv” بالنسبة لهم، ويسترخصون من أجل ذلك كل شيء، شعارهم الأسمى “الغايات تبرر الوسائل”، إذ لا رادع اخلاقي لهم.
أما المثقف الحقيقي فتجده اكثر ميولا نحو العزلة والروية وحب الاشتغال في الظل والتوجس من الزحام, لان وزن المثقف الملتزم في نظر نفسه يغنيه عن الواجهات والأضواء. لكن، ورغم كل ذلك، فإن العبر نكون بالخواتيم، فمسار المثقف الحقيقي يتوج دائما بالحِكم والاحترام، بينما غالبا ما ينتهي مشوار أشباه المثقفين بالفضائح والاحتقار.
من جانب آخر، تلعب البيئة الاجتماعية، وطبيعة الثقافة السائدة وسطها، دورا حاسما في بروز المواهب والكفاءات أو إقبارها. فالبيئة النظيفة التي تسود فيها قيم العلم والمعرفة والثقافة، مؤازرة بالقيم الإنسانية النبيلة والراقية من تعاون وتكافل وتأخي تكون مليئة بأسباب النجاح وتعتبر محفزا على التألق والتميز؛ بينما تعتبر المجالات التي يهيمن بها أنصاف المثقفين بيئات موبؤة بالخوف على المنصب والسعي وراء المصالح الذاتية الضيقة، وتعتبر هذه البيئات أرضا خصبة لمجموعة من الأمراض الاجتماعية كالغش والفساد والأحقاد والحسد والغل والتهيؤات المرضية والأنانيات المفرطة والعداءات المجانية..، و تعتبر هذه البيئات أيضا مقبرة للمواهب والكفاءات وعاملا أساسيا من عوامل الفشل والإحباط الفردي والجماعي.
ومن هنا الجملة الشهيرة القائلة أن “الغربيون يدعمون الفاشل حتى ينجح، والشرقيون يحاربون الناجح لكي يفشل.” هي مسألة بيئة اجتماعية، إذن. وهذا هو سبب تألق غالبية العرب خارج البيئة العربية، حيث يجدون هناك الظروف مهيأة للتألق، بينما السائد داخل المجتمعات العربية هو “احذره، كي لا يصل”. فهي مسألة سيكولوجيات وذهنيات معقدة ومركبة أيضا.
