
*****هل يدفع سانشيز ثمن مساندته لإعلان قيام الدولة الفلسطينية..؟ *****
أعلن رئيس الحكومة الإسباني، بيدرو سانشيز، مساء يوم الاربعاء 25 ابريل، من خلال رسالة كتابية وجهها للرأي العام الإسباني، عن تعليق أجندته العمومية وأخذه مهلة للتأمل من أربعة أيام (إلى غاية 29 أبريل) للحسم فيما إذا كان سيستمر في قيادة السلطة التنفيذية الإسبانية، أم أنه سيقوم بتقديم استقالته، وذلك نتيجة لحملة “المضايقات والهدم” التي يقول إنه وعائلته صاروا عرضة لها بسبب معلومات تتعلق بزوجته بيغونيا غوميز، خصوصا شبهة تورطها في قضية الفساد واستغلال النفوذ المعروفة إعلاميا ب”كولدو” والتي استأثرت باهتمام كبير من قبل الرأي العام الإسباني خلال الأسابيع الأخيرة.
قرار بيدرو سانشيز أعتبره مفاجئا، غريبا وغير مسبوق في تاريخ الديمقراطية الإسبانية. صحيح أن أدولفو سواريز كان اول من استقال من منصب رئاسة الحكومة الإسبانية بتاريخ 29 يناير 1981، لكن ذلك لم يكن مسبوقا بإعلان فترة تأمل يستعرض فيها شكوكه وتردده أمام الرأي العام، كما هو حال بيدرو سانشيز، الذي ما فتئ ينعت داخل الاوساط السياسية الإسبانية بالرجل القوي صاحب المواقف الصلبة. فالانسب في هكذا حالات كان هو الإعلان عن القرار النهائي الذي يهم عامة الشعب ويخدم المصالح العليا للدولة، اما فترة التامل فهي قرار شخصي يعني السيد بيدرو سانتشبز وحده، ولا طائلة من إعلانه للعموم، لما قد ينتج عنه من توثر وقلق وشكوك وسط المواطنين الإسبان وضغوطات في فترة تستلزم الهدوء والتركيز، ولذلك هناك من فهم هذا االإعلان على أنه محاولة من بيدرو سانشيز للفت الانتباه نحو، وبالتالي تحويل الانظار عن شبهة تورط زوجته في قضية “كولدو”، مع ما أثارته من جدل إعلامي كبير بإسبانيا…
من خلال متابعتي اليومية والدقيقة لقضايا الشأن العام الإسباني وتطورات الوضع السياسي الداخلي هناك، والذي كتبت بشأنه عدة مقالات، يمكنني الجزم بأن بيدرو سانشيز يدفع ثمن مواقفه الجريئة والصريحة من عدة قضايا داخلية وخارجية. فمنذ بلوغه منصب رئاسة الحكومة الإسبانية بمقتضى ملتمس رقابة سنة 2018، نهج سانشيز أسلوب حكم قائم على مواقف واضحة وصريحة من كل القضايا التي واجهته، والتي لم يجرؤ سابقوه عن الحسم فيها، فبدل الإمساك بالعصا من الوسط أو التقوقع السياسي فضل سانشيز التموقع الواضح والمواجهة الصريحة. وهذا، في رأيي، ما أفضى بسانشيز إلى حالة من الإنهاك النفسي والذهني والسياسي بسبب حجم وكثرة الصراعات السياسية التي كان عليه مواجهتها سواء ما تعلق منها بالشان الداخلي او بالسياسة الخارجية لدولة إسبانيا، الحديث هنا عن قضايا شائكة مثل الحركة الانفصالية بإقليم كتالونيا، العلاقات المغربية الإسبانية، الحرب في اوكرانيا ثم قضية النزاع في الشرق الاوسط، حيث تميزت الحكومة الإسبانية الحالية بتبنيها لمواقف منددة للمجازر التي يقترفها الكيان الصهيوني في غزة، إضافة إلى قيادته لطرح الإعلان الأحادي لقيام الدولة الفلسطينية. أما بخصوص العلاقات بين المغرب وإسبانيا والتي تشكل أولوية كل الحكومات الإسبانية المتعاقبة، فيحسب لسانشيز جهوده لتبديد كل العراقيل التي كانت تحول دون تقدم هاته العلاقات وتدفع بها نحو الجمود، وإخراجها من ظرفية الأزمة الى وضعية الثقة المتبادلة والتعاون الاستراتيجي، وفي هذا الإطار جاء موقفه الشجاع من قضية الصحراء المغربية، حينما أعلن عن دعمه الرسمي للطرح المغربي كحل لهذا النزاع في رسالة موجهة إلى الملك محمد السادس بتاريخ 14 مارس 2023. وكان لهذا الموقف الجريء لبيدرو سانشيز ردود أفعال قاسية ومتشددة من أحزاب المعارضة اليمنية بل حتى من حليفه الحكومي آنذاك حزب Podemos… جرى كل هذا في ظل ظرفية سياسية عالمية صعبة يصفها الكثيرون بالمرحلة القبلية لنشوب حرب كونية ثالثة مفترضة، وفي غضون وضع داخلي إسباني مرتبك وشديد التعقيد على المستويين الاقتصادي والسياسي.
شخصيا لا أستبعد أن يكون بيدرو سانشيز يخضع لضغوطات كبيرة من طرف جهات ما من أجل تليين بعض مواقفه والتراجع عن أخرى، مقابل استمرار أو إسقاط حكومته الهشة أصلا، وهو ما جعله ربما يدخل في صراع ذاتي داخلي تتواجه فيه قناعاته السياسية والحزبية مع استقرار حياته الخاصة والعائلية ومصالح وطنه وشعبه، وهو ما جعله يعلن دخول فترة تأمل لإعادة ترتيب أفكاره ومن تم اتخاذ القرار الأنسب.
فهل سيكون بيدرو سانشيز ضحية لنهجه المرتكز على المواقف الصريحة والتموقع السياسي لينتهي به الامر منزويا متقوقعا، أم أنه سيختار طريق المواجهة والتضحية في سبيل أفكاره وقناعاته السياسية ومواصلة المسار بنفس النهج؟ ذلك ما سيكشفه تاريخ 29 أبريل، رغم أنني أعتقد أن بيدرو سانشيز ما بعد هذا التاريخ سيكون مختلفا جذريا عن بيدرو سانشيز ما قبل ذلك.
