تحت القائمة

نظرة على فيلم ” القاتلة” في مسابقة الأفلام الطويلة بمهرجان تطوان السينمائي

✍️ يوسف خليل السباعي / تطواني

فيلم ” القاتلة”، الذي يشارك في الدور 29 لمهرجان تطوان للبحر الأبيض المتوسط، وتم عرضه اليوم الإثنين بسينما أبنيدا بتطوان، ضمن مسابقة الأفلام الطويلة، يحكي قصة هادولا قاتلة طفلان صغيرات في جزيرة يونانية.

في بداية سنة 1990 في جزيرة يونانية فقدت هادولا زوجها في سن مبكرة جدا، وهي امرأة تعلمت على نفقتها الخاصة كيفية المقاومة والمواجهة في مجتمع ذكوري يسيطر عليه الرجال ويتسم بالأبوية الصارمة. ويظهر على الشاشة الكبيرة، من خلال لقطات كبرى وصغرى، ولوحات سينمائية ذات جمالية خاصة، تلك الطبيعة القاسية والصخرية التي تحيط بالكائن البشري داخل هذه الجزيرة التي يعمل رجالها على سحق النساء. تحمل هارولدا ماضيها الحارق الدفين معها، لايفارقها البتة، ويظهر ذلك على الشاشة الكبيرة عن طريق استخدام المخرجة إيفا ناتينا للفلاش باك والحلم- الصورة، حيث يتمظهر ذلك جليا في تصرفات هادولا التي تحمل مشاعر متضاربة وتعيش حالة نزاع نفسي حاد، فكيف يمكن لامرأة أن تطلب من امرأة أخرى لمسها دون أن تحبها. هكذا، فإن هادولا تحمل عبئا صعبا، ترتكب جرائم قتل في حق طفلات صغيرات، حيث يكون الموت إما خنقا أو عبر الإغراق في الماء.

تمرد هادولا يؤدي إلى قتل الطفلات الصغيرات.

إن يد هادولا التي تولد بنتها هي نفسها اليد التي تخنق- تقتل- بها الطفلات الصغيرات البريئات حتى لاتتكرر المأساة ويتكرر تعذيب الرجل للمرأة. إن هادولا تعيش عبئا انسانيا واجتماعيا صعبا، وهذا يتبين من خلال قسماتها. إن هذا العبء الصعب تعتمل أصداؤه في صدرها كعصا تعوق حركتها التي أتتها من والدتها والأجيال السابقة، لكي تجعلها ترضى بالتبخيس من قيمتها ومصير النساء في وضعية دونية، لكن هادولا تتمرد، ذلك أن تمردها الشخصي، الباطني والمتفجر، سرعان مايتجلى في الخارج. ضحايا قرارها الشجاع هن الطفلات الصغيرات في الجزيرة اللاتي تحررهن من أثقال التقاليد الاجتماعية والقيود الاقتصادية التي يقضيها وجودهم… ولكن الثمن هو حياتهن ذاتها، إلا أن هادولا، في كل جريمة ترتكبها، تشعر بالذنب فتستغفر المسيح. إنها تمزج بين القسوة والخوف، بين اللمس والخنق، بين السكن والهروب.
إن هادولا قاتلة، لأنها لاتريد للطفلات الصغيرات أن يعشن نفس العذاب، إلا أنها في أغوارها البعيدة تشعر بالذنب. ومهما حاولت الهرب من الشرطة إلا أنها لن تهرب من بنتها التي قتلت ابنتها وأناس الجزيرة فتلجأ إلى جبل فوق البحر وتنتحر وكأنما تحاول أن تتطهر من ذنبها الذي لا يمكن غفرانه.

إن هادولا هي ضحية وجلاد: ضحية الماضي وجلاد الحاضر والمستقبل، الأمر الذي يجعل مسألة الانتحار في الفيلم غير مفهومة. لربما، تكون هادولا قد حددت مصيرها قبلا عندما تركت عصاها في البيت. ذلك أن العصا هو دال… بمعنى أنه ليس شيئا إلا سوى ماضي قاسي تحكمه البطراركية.

يعتبر سيناريو فيلم ” القاتلة” من أجود السيناريوهات التي كتبت في السينما لتركيبيته وسرديته. ثم يبدو أن الحوار بين الشخصيات يتسم بنوع من القسوة والصرامة والجفاف. وهذا مالانجده في الأفلام الأخرى، حيث انعكس ذلك على الممثلين الذين انغمسوا في الشخصيات إلى درجة الاستيهام فكانوا جافين… من جانب آخر، وهو هام، أن الفيلم احتوى موسيقى تلائم نفسانيات الممثلين ودقة وعمق في التصوير وكأن الكاميرا لاتصور وإنما ترسم لوحات فنية، ويبدو أن الطبيعة القاسية للجزيرة والأمكنة التي صور فيها الفيلم ساهمت في رسم تلك اللوحات المضيئة والمعتمة.