تحت القائمة

نظرة حول فيلم” من عبدول إلى ليلى” للمخرجة ليلى البياتي

✍️ يوسف خليل السباعي/ تطواني

هل يمكن اعتبار فيلم ” من عبدول إلى ليلى” للمخرجة ليلى البياتي سيرة ذاتية سينمائية؟ لا، لماذا؟ لأنه يحكي شذرات من قصتها مع والدها العراقي المنفي في فرنسا وأمها الفرنسية. فليلى ترغب في تعلم اللغة العربية والغناء بها وزيارة وطنها. إننا أمام ظاهرة عامة وليس خاصة. فليلى لاتمثل الاستثناء، وإنما تمثل جيلا من الشباب الذي يوجد في المهجر ولايتقن الكلام والكتابة بالعربية التي هي لغة أجداده وأبائه، أو يعجز عن النطق بها أو يجد صعوبة في تعلمها. فتعلم اللغة العربية من طرف الأجنبي ليست سهلة بتاتا. يلزم تعلمها بذل جهد كبير.

إن كتابة سيرة ذاتية سينمائية يتطلب أن تكون لك قدرات المخرج يوسف شاهين الذي استطاع أن يكتب سيرته الذاتية سينمائيا من خلال أربعة أفلام وهي:” إسكندرية ليه” و” حدوثة مصرية” و “إسكندرية كمان وكمان” وأخيرا ” إسكندرية نيويورك”، ثم إن يوسف شاهين استطاع أن يرسم سيرته على شكل سيناريوهات تركيبية مستدعيا عوامل، منها، التخييل والمتخيل، حيث أن كل سيرة ذاتية لاتتمثل في الوقائع فقط، المستجلبة من الذاكرة، وإنما من عملية ذهنية تستدعي التخييل…

إن ليلى البياتي (بصفتها فنانة متعددة التخصصات، ذلك أنها، مخرجة، وملحنة، ومغنية، وكاتبة سيناريو، ومصورة، وفنانة تشكيلية، من أصول عراقية، فرنسية الجنسية، تعمل في بلدان مختلفة. اختير فيلمها الطويل الأول “تلغراف برلين“، في العديد من المهرجانات الدولية وفاز بجائزة القناة الفرنسية تي في 5 لأفضل فيلم فرنكوفوني في مهرجان كل الشاشات بجنيف وجائزة أفضل تصوير من أختونغ برلين)، لم تكتب سيرتها الذاتية سينمائيا، وإنما أرادت بحسب فهمها للفن السابع أن تحشر كل شيء في الفيلم، وهذا ما لايمكن قبوله، لأن الفيلم السينمائي يعتمد على ممثلين، وليس أشخاصا من العائلة. لقد خلطت ليلى البياتي بين الفن التشكيلي كما تتصوره والغناء والتسجيلي والوثائقي، فجاء فيلمها طافحا بأشكال كثيرة ومتعددة.

لكن هذا لا يمنع من الحضور الجميل للصورة في الفيلم والموسيقى المؤثرة التي تتغلغل في نفسانيات الفاعلين، مع حضور الجانب السياسي ممثلا في منفى والدها الذي يكتب الشعر والذي كان معارضا لنظام صدام حسين وما تعرض له من تعذيب في السجن ومعاناته هو وآخرين، ونفيه إلى الخارج.

إن هذا يعد جانبا مضيئا في الفيلم، إلا أن ليلى البياتي ليس هذا ما تثبته. إن ما تثبته في فيلم ” من عبدول إلى ليلى” هو تلك الرسالة إلى أمها. ليلى زارت أكثر من بلد… منها برلين ومصر والعراق ( بغداد). إنها رسالة حب.
هذا هو الجانب أيضا الأكثر إضاءة في الفيلم، والذي لن يذهب سدى.

فإذا كان والدها يريدها أن تتعلم العربية والغناء المهتاج، فإن أمها تعلمها الحب. وهكذا يكون هذا الفيلم انتصار للحب وعودة للذاكرة المفقودة. فإعادة ليلى، الفنانة الشابة الفرنسية ذات الأصول العراقية، بعد فقدانها الذاكرة نتيجة حادث، بناء قصتها للتعرف عن كثب على عائلتها وغوصها في جذورها هو في الجوهر تحد لنفسها وتعرف أكثر على المحيطين بها. لقد ترجمت قصائد والدها العراقي المنفي غائصة

في تاريخ حرب الخليج في العراق. ومع ذلك، وبرغم كل هذا الخلط الفني، لا يمكن لنا إلا أن نقول مع آخرين ( هناك جهد كبير مبذول لإخراج هذا الفيلم على هذا الشكل) إن فيلم ” من عبدول إلى ليلى” يعتبر أوديسا امرأة تغني قصتها لإعادة ابتكار نفسها، مدفوعة برغبة لاتقاوم في الحياة.

لم تصنع ليلى البياتي فيلما على شاكلة الأفلام العربية، وإنما اختارت شكلا مختلفا (هو عمل سينمائي مصنوع بطريقة أخرى)، هو السرد بالغناء حيث يصبح الصوت مغلفا ببشرة ليلى ومتمظهرا في رسوماتها.