نظرة حول فيلم” أبي لم يمت” بمهرجان تطوان .. البحث عن المعنى!
✍️ يوسف خليل السباعي / تطواني
في وقت مضى، حين كنت مراسلا صحفيا لجريدة ” العلم” وكان المخرج نبيل عيوش في بداية الطريق السينمائي، لم يعمل على إخراج سوى بعض الأفلام القصيرة كتبت عنها وقلت إن هذا المخرج سيكون له شأن كبير ويدفع بعجلة السينما المغربية إلى الأمام، وذلك ما كان، حيث قام نبيل عيوش بإخراج أفلام طويلة تستحق اليوم إعادة القراءة النقدية والتحليلية والتأويلية.
إن السينما لا يمكن النظر إليها أخلاقيا، أو التعامل معها كما لو أنها شيء مقدس. لا يمكن لأي أحد أن يتحدث عن الفيلم من وجهة نظر أخلاقية. نفس الشيء سأقوله عن المخرج المغربي عزيز الفاضلي الذي ستكون له رؤية جديدة لتطوير الحقل السينمائي المغربي الذي يعج بتلوينات فيلمية مختلفة. فهذا المخرج درس في المعهد الحر للسينما الفرنسية بباريس. ولما عاد من هناك قام بكتابة سيناريوهات وبإخراج أفلام الفنية. وفي سنة 2010 تم اختيار فيلمه القصير الأول “حياة قصيرة” في العديد من المهرجانات العالمية. فيلمه الطويل الأول ” أبي لم يمت”، الذي عرض يوم الأربعاء 1 ماي 2024 بسينما أبنيدا بتطوان في إطار المسابقة الرسمية للأفلام الطويلة ضمن فعاليات مهرجان سينما البحر الأبيض المتوسط في دورته 29، فاز بست جوائز في مهرجان طنجة، بما في ذلك الجائزة الكبرى.
سيناريو هذا الفيلم مشترك بين عادل الفاضلي وألكسيس كارو؛ تمثيل مجموعة من الممثلين منهم فاطمة عاطف، آدم الرغال، عبد النبي البنيوي، نادية كوندا، عمر لطفي عزيز الفاضلي محمد خيي وغيرهم.
تحكي قصة الفيلم عن مالك ووالده مهدي في [مدينة ملاهي] حيث يقومان بأعمال الصيانة. في أحد الأيام قدم مهدي خمس لوحات مميزة لابنه الذي انبهر بجمال هذه الأعمال الفنية. في اليوم التالي، وجد الإثنان نفسيهما بالصدفة وسط تجمع سياسي ل”حزب الشعب” حيث كانا يعلقان الملصقات. تعرض مهدي للعنف أمام مالك من قبل شرطيين اتهماه بالدعاية ضد الحكومة. في وقت لاحق من تلك الليلة، اقتحمت الشرطة الملاهي واعتقلت مهدي. مصدوما، بدأ مالك في البحث عن والده بمساعدة العارضين الآخرين وتمكن من إيجاد إجابات في اللوحات التي تركها والده.
في الحقيقة لن أدخل في تفصيلات الفيلم ولا في جوانبه السياسية ولا في علاماته، ذلك، وباختصار، تعود بنا إلى مرحلة الاستعمار وماوراءه من أحداث تأتي في الأخير. إنه فيلم يعري عن حقائق كثيرة، منها التسلط ( مالك المعرض- عزيز الفاضلي) الذي يريد إخضاع الجميع لسطوته واستغلالهم، ولايقف مع مالك حينما اعتقل والده مهدي من طرف الشرطيين ورئيسهما الصامت والمستفز ( قام بهذا الدور بشكل بارع المخرج المغربي فوزي بنسعيد الذي يحتفي به المهرجان في دورته من استعادة كاملة لأفلامه) ويعتبره ارتكب خطأ فيما هو غارق في الخطأ حتى النخاع. إن كل العارضين يريدون مساعدة مالك الذي لايريد سوى والده الذي يعرف مكانه بعد بحث، إلا أن السيد الفرنسي لايريد المساعدة لعجزه ولأنه لاقدرة له على ذلك. سيقابل البحث بالقمع، ولكن لا أحد سيصل إلى مهدي المختطف والمعتقل في مكان معين.
موضوع فيلم” أبي لم يمت” ليس موضوعا جديدا، إنه يتطرق للاستعمار والاعتقال السياسي والحب والجنس والحلم والخيال عن طريق ماتلمح إليه اللوحات: الإخفاء القسري و العنف، المقدس والمدنس، التضحية والاستسلام والإيمان، حب الذات وحب الآخر، والقلب.
إن ما يتبقى هو ذاك العناق بين مالك والفرنسي: ذلك أن ماليس له معنى له المعنى. وهذا المعنى الذي يدور عليه الفيلم هو ما ينبغي البحث عنه. ويظل السؤال مطروحا: هل استسلم مالك بعناق الفرنسي وأخفق في إنقاذ والده من الاعتقال أم أن الارتماء في حضن الفرنسي كان هو الأمل المعقود.
لا جواب حقيقي إلا البحث عن المعنى. وهذا هو مايريد أن يقوله الفيلم دون تشويش. إن المعنى كله في اللوحات الفنية القديمة.
■ الصورة من صفحة المخرج المغربي عادل الفاضلي بال” فيسبوك”.
