نظرة حول فيلم “مروكية حارة” للمؤلف والمخرج هشام العسري
يوسف خليل السباعي/ تطواني
إن فيلم ” مروكية حارة” للمؤلف والمخرج هشام العسري لايستدعي منا أن نروي قصته، لأنه ليس ثمة قصة، وإنما كتابة وإخراج كنص مفتوح… لأن ذكاء المخرج ليس في أن يقدم لنا واقعا مليئا بموضوعات تتعلق بالفقر والعوز والفقر والبطالة والكبت الجنسي والاستغلال والقمع البوليسي والحشيش والهجرة، فحسب، وإنما في أن يقدم لنا وجهة نظر خديجة ( كاتي) – قامت بالتمثيل الاحترافي الفنانة فدوى طالب- حول أوضاع متردية، لا يمكن التعامل معها بلباقة، فكل القذارة هنا، شخصيات فيلمية شاحبة، في عطالة، وثبات ( المتحششين البطالين)، والمهجر (المحرك، الذي يستغلها بأقل شيء، حجز هاتفها النقال الوحيد الذي تمتلكه) و بطاقتها الوطنية ( التعريفية) وخطيبها القذر، المزوق من خلال دال ملابسه المغندرة، الذي يريد استغلالها والذي يكذب عليها وهو في علاقة خطوبة مع امرأة أخرى، ووالديها اللذين لايهتمان بها، خصوصا أمها التي تعاملها بقسوة وتفضل شقيقها عليها، لأنها أنثى وهو ذكر، مما يلمح لوضعية اجتماعية مزيفة وتمييزية، وكذلك الأمر بالنسبة لعملها حيث تطرد منه من طرف ربة العمل المتغطرسة والأنانية لسبب تافه هو التأخر عن الوصول في الوقت المحدد.. والبوليس الذين يصممون على اعتقالها بسبب أو بغير سبب ولسبب بسيط أنها لاتتوفر على بطاقة تعريفية وطنية، مع أنهم يعرفونها أو طرف حشيش لاستعمالها كمخبرة، وواشية… كل هذا محتشد في جسدانية خديجة ( كاتي) المتمردة على كل هذه الأوضاع والسلوكات، حيث تجد نفسها غير قادرة لا على تخطي هذه الأوضاع القذرة أو تغييرها.

إذا كانت خديجة تطرد، وتتمشى كمتشردة في الشوارع والطرقات، فإنها في حركة، وليس السينما إلا حركة وصورة. هكذا يشتغل بل ويلعب المخرج الذكي هشام العسري على وجهة نظر خديجة ( كاتي) وعلى الحركة، وليست هذه الحركة إلى بحث عن الانفراج ضد قذارة الحياة التي جعلت من هذه الكائنات الخائفة ضحايا مجتمع وسياسة بلا إرادة، ضحايا الاستغلال.
إن خديجة ( كاتي) بعد تهديدها من طرف البوليس تبحث عن السعادة، والتحرر، لكن ماتخاف منه: القزم بأجنحة حمراء هو من ستجد عنده الحماية… إنها تهرب من الفقر والتشرد والقهر لتسقط في حضن القزم الذي يحب ( العودات)، والذي يتبعها كلما رآها.
إن الفيلم هو كل هذه التفصيلات من خلال مشاهد ولقطات متنوعة نعتبرها كمتفرجين واقعية وحقيقية إلا أنها تخفي “أزمة عميقة” أكثر ما تكشف عنها، فيما لانشاهده، في ذلك الذي يتبقى مسكوت عنه أوغير متكلم عنه في اللاوعي ألا وهو: لا شيء يتغير، لأن الخارج يهددنا، ولايتبقى لنا سوى أن نعود إلى البيت، والذي ليس في الأخير شيئا آخر سوى الحماية.
إن “مروكية حارة” يمر أمامنا على الشاشة… مثل حلم، إلا أنه يذكرنا بأن ” تفو” هي شتيمة جنونية، هي ماثلة كواقع فعلي لامهرب منه، إلا أن الاحتماء بالبيت يجعلنا أكثر اطمئنانا لأجل الاستمرار في الحياة.
كلنا سجناء في البيت أو في الشارع.
هناك من قرأ هذا الفيلم قراءة سطحية، فبالرغم من أنه شاهده إلا أنه لم يفهمه، وهو في حاجة لفن فهم السينما كما يعلمنا ذلك الناقد السينمائي حمادي كيروم ماعدا الناقد السينمائي محمد بكريم الذي كان موفقا إلى حد كبير في قراءته النقدية لفيلم “مروكية حارة”، وهو مقال نقدي مكتوب باللغة الفرنسية.
بقيت الإشارة إلى أن توظيف الفيلم للأغنية والموسيقى التصويرية كان توظيفا في سياق الفيلم تظهيرا لنفسانيات الشخصيات المتعددة. أما الأداءات التمثيلية فقد كانت متناسبة مع الشخصيات، إلى حدما، حيث غاب التصنع… فأداء فدوى طالب لشخصية خديجة ( كاتي) هو أداء تمثيلي على الريق… ولهذا كان أداء صادقا، إلا أنها كانت تكسر هذا التمثيل بإظهار شخصيتها الحقيقية لتنبيه المتفرجين إلى أننا داخل فيلم… وهذا الكسر يذكرنا بكسر الجدار الرابع كما نجد ذلك في مسرح بريخت.
إنه لا يمكن لنا إلا أن نشجع مثل هذه النوعية من الأفلام لأنها تقول وجهة نظرها في حياتنا بلا تزييف وخداع وكذب انطلاقا من تخييل سينمائي.
إن السينما هي مثلها مثل الشعر والفلسفة تكثيف للنظرة وبحث عن ال”حقيقة” بتقديم أسئلة ترج فكرنا داخل كادرات لكنها لاتستطيع السيطرة عليها.
