وجوه أدبية بتطوان .. سعيد الشقيري، قاص وناقد ومترجم وفنان تشكيلي
يوسف خليل السباعي/ تطواني
يتميز الكاتب والفنان سعيد الشقيري بقلة إنتاجه الأدبي ( القصصي والترجمي) وغزارة في إنتاج اللوحات التشكيلية، وهذا ناجم – ربما- عن قناعته الشخصية بأن الإنتاج الأدبي لابد له من أن يتخمر مثل النبيذ الأحمر، حيث ينبغي أن يظل لسنوات مسودات ومخطوطات ليخرج ناضجا ذا ذوق مميز وخصب.
ولهذا السبب- أقول دائما ربما- هو قليل الطباعة والنشر.
صدر له:
– شوارع الله ( جماعة من القصص)
– بلكيطا في بلاد الموروس لبويسف الركاب ( ترجمة عن الإسبانية بالاشتراك مع عبد اللطيف البازي)
– له لوحات فنية وتشكيلية عديدة.
ولعل أفضل من قرأ جماعته من القصص ” شوارع الله” هو صديقه الناقد والمترجم عبد اللطيف البازي، الذي كتب بصدد المبدع سعيد الشقيري وبخصوص مجموعته القصصية “شوارع الله”: المبدع سعيد الشقيري شخص استثنائي وكائن متفرد يستثمر أكثر من قبعة. فهو قارئ نهم، وكاتب قصة هوايته القبض على المشاعر الغامضة. وهو رسام تستهويه عوالم الألوان والأشكال ويحدثك عنها بشغف نادر، كما أنه يعشق الموسيقى الرفيعة ولا يتردد في أن يستجيب حينما يُطلب منه أن يعزف على آلة العود. وهو بالإضافة إلى ذلك طباخ خبير في الفروقات القائمة بين مختلف البهارات.
لكل ما سبق، فإنك تجده في الغالب موزعا بين مشاريع نصوص أو خطاطات لوحات، دون أن يتخلى عن تعليقاته المرحة وقهقاته وصرامته في التعبير عن رأي ما، ورغبته العارمة في اقتسام ما في جعبته من حكايات وطرائف مع أصدقائه، وخاصة مع صديقاته اللواتي يودعنه الكثير من أسرارهن لأنهن يعرفن مدى تقديره لقيمة الصداقة. وكأني بسعيد الشقيري يترجم بسلوكه ما قالته الشخصية المحورية في قصة “انتشاء العارفة”: “كنتُ سعيدا كما كنتُ. العالم كله في داخلي. وأنا أعيد ترتيب علائقه على مهل هواي” (ص60).
وقصة “انتشاء العارفة” هي إحدى القصص المتضمنة بمجموعة سعيد الشقيري”شوارع الله”ّ*. مجموعة ممتعة بالتأكيد، و تستنهض بعض ملكاتنا النقدية المسترخية، وتجعلنا نستدعي مخزون قراءاتنا ومشاهداتنا. فسعيد يحيل بشكل واضح أو خفي على قراءاته المتعددة مثل إحالته بهذا الشكل السلس على رواية لورا إيسكيفيل “مثل علاقة الماء بالشوكولاتة”: ” قد أكون بكيت أكثر مما بكته “تيتا” عندما ولدتها أمها على طاولة المطبخ”(ص107). أو استحضاره للشخصية الرئيسية في رواية “عطر”: “باغتتني الرغبة في قطع أنفاس بشرى. ارتجفت بشدة والغضب يتسرب إلى كفي. اشتهيت لو أضغط تلك الكف الساكنة الآن بكفي كعصفورة في عشها، حتى أسمع طقطقة عظامها” (ص35).أو عقده لمقارنات تشد الانتباه: “كنت أعتقد قبل ذلك أنني أعرف لون أشعة شمس الصباح الذهبي، وأنني سبق لي رؤيته في كثير من الحالات المباشرة، وفي اللوحات والأفلام وعند إبراهيم الكوني وألان بو” (ص97). وهذا الإستشهاد يشي بانشغال وانغماس في الرسم وعوالمه، وهو الأمر الذي يتأكد حينما نرصد مكونا تشكيليا لا تخطئه العين في قصص سعيد كما يبدو ذلك جليا في هذا المقطع الوصفي: “كان الضوء يدخل من النافذة قويا، يجعل الألوان باهتة والظلال حادة. وشاشة التلفاز المشغل تصدر منها أصوات رتيبة، ولا يُرى فيها غير انعكاس النافذة.” (ص 70).
ويستعمل الكاتب صور بلاغية مبتكرة وماكرة تجعلك تبتسم أو تعقد حاجبيك مثل قوله: “أحس بالجوع، بكثير من الجوع يصرخ في خلاء معدته كتظاهرة فلاحين فقراء” (ص21). أو قوله “فر حمودة راكبا على خوف سريع” (ص32). وهو يجعلنا نعيد النظر في أشياء كانت تبدو مألوفة أو يجعلنا شهودا على مواقف وتعابير غير مألوفة مثل إخباره لنا بما يلي: “كان أبي قد مات ميتة عادية. نام ذات ليلة ولما استيقظ كان قد مات. هكذا انتهت حياته. لم يقل لنا أبدا رأيه في نهاية حياته” (ص26). وفي ارتباط مع موت أب، ولا ندري إن كان هو نفس الأب، نجد هذا المشهد المضحك والساخر: “شهقت أمي. رأت كما رأيت أنا خالتي ترتدي تبان ابنتها العصري الأحمر وخيطه الرفيع مختف في لحمها” (ص 72). مع التصور الذي تستهدي به هذه القصص، يصبح الموت امتدادا سلسا للحياة. هي محكيات يتداخل فيها مستويي الكتابة والواقع، ويصبح كل واحد منهما تضعيفا للآخر كما في قصة “مداد أبيض”: “في ذلك الركن من صالة جلوسي بمنزلي، كنت جالسا أقرأ قصة كتبتها ذات يوم في مفكرتي. وكنت، في الحكاية، جالسا في ركن من غرفة الجلوس بمنزلي” (ص54) لتصبح العوالم المشيدة ذهنية وحسية في الآن نفسه، عوالم تخومية تقع بين الحلم واليقظة، ويتم فيها الاحتفاء بتفاصيل لا ننتبه إليها بسهولة، ويتم التوقف فيها عند جملة فجائع ومصائر تعني كائنات هامشية وعند لحظات زهو نادرة. يتعلق الأمر بكتابة نابعة من الحياة ومسراتها وتجاربها ومآزقها، ومن قراءات عديدة تنتمي إلى جغرافيات عدة ومدارس متباينة تلتقي في أنها تحترم متلقيها وتحرص على استفزازه وعلى الأخذ بخناقه وملاعبته لعبا مسؤولا ومنتجا ومغريا.
“شوارع الله” هي جماعة قصص، حسب تعبير كاتبها، تستدرجنا بسهولة ولا نملك إلا أن نتفاعل معها لأنها نابعة من حاجة قوية إلى الحكي، حاجة نابعة من الأعماق، ليكون الحكي منطلقا وملاذا في الآن نفسه للمبدع سعيد الشقيري الذي اكتشفت مؤخرا أن له روابط وثيقة بالشخصيات التي هي محور “شارع الأميرات” سيرة الأديب جبرا إبراهيم جبرا الذاتية. و تلك حكاية أخرى آمل أن تتاح لي فرصة إضاءتها.
هامش:
*سعيد الشقيري، شوارع الله (جماعة من القصص)، منشورات كلمات، 2016، الطبعة الأولى).
