تحت القائمة

الكاميرا والكلاب في فيلم “هم الكلاب” للمؤلف والمخرج هشام العسري

قراءة : يوسف خليل السباعي/ تطواني

في فيلم ” هم الكلاب” للمؤلف والمخرج هشام العسري هناك دور مؤثر للكاميرا في الفيلم. إننا أمام إيهام بازدواجية في توظيف الكاميرا، بيد أننا أمام كاميرا سينمائية واحدة.

إن المتفرج يعتقد أنه أمام كاميرا تلفزية تابعة لقناة، هي التي يتابع ويتتبع طاقمها الإعلامي شخصية 404 ( أداء تمثيلي احترافي رائع للمخرج المسرحي والممثل حسن بديدة) الذي لانعرف في بداية الفيلم من هو، والذي يظهر فجأة للكاميرا في مظاهرة لحركة 20 فبراير، إلى أن تغير مجرى الأحداث هذا الظهور في الشارع لشخصية 404. بطبيعة الحال، إن أي فيلم لا يكشف عن موضوعه في البداية، لأن البداية هي عتبة الفيلم، وإلا انتهى كل شيء، لأن ماسيأتي فيما بعد من مشاهد ولقطات- مقاطع فيلمية متنوعة( والتي هي ذات طابع تقني. حركي، صوري “من الصورة”) سيكشف للمتفرج “الحقيقة” في ” هم الكلاب”، ذلك أن المخرج هشام العسري يعتمد على كتابة سينمائية حيوية تقدم لنا الهامشي والباطني ( المجتمع في قذارته وبكائناته على حقيقتها، وتشويش الذاكرة والجسد والغوص في إنسانيات الشخصيات وأفعالها).

هكذا تغدو الكاميرا من خلال اهتزازاتها وسرعتها وكأنها تقبض على المنفلت والهامشي والباطني… وتجعلنا بين الفهم وعدم الفهم، بين ماحدث ويحدث ومالايحدث، بين مانشاهده ومالانشاهده. إنها تستحوذ علينا، وفي نفس الوقت تزعجنا، تخلخل تفكيرنا، وكأنها تقول للمتفرج: أنت في فيلم مختلف…وكأنها ترج وعينا، كما لو أنها تعيدنا إلى “الحقيقة” دون أن تقول لنا أن هناك ” حقيقة” نهائية.
إن سينما هشام العسري هي ضوء يسقط علينا من السماء كصعقة لدماغنا، وما اهتزازات الكاميرا وعدم ثباتها لدرجة تغدو الكادرات فيها مائلة ومضطربة إلا دلالة على الاضطراب والقلق والحيرة التي يعيش فيها شخصية 404 الخارج من المعتقل، والذي تظهر عليه الحيرة وعدم فهم مايجري من أحداث بعد أن غيبه النظام لمدة سنوات عديدة واعتقل وعذب في أحداث 1981، والتي طالب فيها المغاربة بالخبز واحتجوا فيها على الزيادة في الأسعار. وهو لم يخرج من المنزل إلى لابتياع دراجة هوائية لابنه. إن هذا الظهور المفاجئ ل404 [ يغدو الإنسان هنا رقما لاغير، شيء مستلب ومستغل]، وخروجه من منزله الأول في نهاية فيلم ” هم الكلاب” بعد أن تزوجت امرأته من رجل آخر وبعد أن اعتبر ميتا ومعاملة ابنه الأول له بوقاحة، وعدم معرفة ابنه الثاني له، هو دلالة على أننا نشاهد رجلا ميتا في الحياة، هو الذي يبحث عن أسرته ماسكا قطعة صغيرة من الدراجة الهوائية، وكأنه يمسك الهواء. إنه رجل يقول عن نفسه” زهواني” وسكير، يعترف بذلك، ويشرب الخمر في حذائه، ويعوم في بحر يعرفه وكأنه ينتحر. إنه يتذكر ولايتذكر. وهكذا هو قلق، مضطرب، عصابي، ومهزوم… وفي أوقات نكرة… ومع ذلك، فإنه إنسان يبحث عن “إنسيته” المضيعة والضائعة.

إن فيلم “هم الكلاب” من أكثر الأفلام عمقا وإبداعا بالكاميرا والتمثيل، سواء على مستوى الفكرة، الحركة والصورة أو على مستوى فضح سياسة نظام قهري لا إرادة له في التغيير، نظام عاش ويعيش على القمع والاستغلال والتعذيب والديماغوجية الإعلامية، الإعلام الحربائي، الذي يصنع التزييف والكذب والنفاق، ولايصطدم طاقمه ب” الحقيقة”، وال” فشل” إلا عندما يتعرف على قصة هذا الرجل الذي أخرج من المعتقل ليجد نفسه في قلب حركة 20 فبراير وفي زمن غير زمنه.
إذا كانت كاميرا هشام العسري لعبت على أمكنة متعددة، وانتقالات واهتزازات بحثا عن أسرة الرجل- شخصية 404، فإنها فضحت حقيقة تاريخية، ستكرر في 1984، حيث ثمة إشارة إلى المقابر الجماعة والقمع والاعتقال من هنا وهناك، بينما كان الزمن حلزوني، دائري، ليس زمنا كرونولوجيا، خطيا، وإنما هو عمري ( ملامح الرجل) و متمثل في الحركة، مايعود إلى الوراء عبر الذاكرة، وليس الفلاش باك، وما يمكث في سيرورة الحاضر.

لماذا” هم الكلاب”؟ سؤال صعب الإجابة عنه. و” هم” قد تدل على أشخاص- حيوات، فيما الكلاب حيوانات. إن الكلاب لايمكن أن تفهم إلا في العلامات التي يوظفها المخرج هشام العسري، والعلامات تتكون من الدوال والمدلولات. ولنفهمها جيدا يجب أولا أن نعيد مشاهدة أفلام هشام العسري الذي يوظف فيها الكلب كدال. وإنه لأمر يأتي من الأدب وأثر الواقع، إلا أننا لسنا هنا أمام كلب بالمفرد، حتى لانقع في الإسقاط الشرحي أو التفسيري والتأويلي، كما نجد عن فرانز كافكا في رواية” المحاكمة”، حيث يقتل شخصية الرواية ( ك) باعتباره كلبا، ف(ك) عند كافكا هو كلب وليس ككلب، لاتشبيه ولا أي شيء، أو، كلاب نجيب محفوظ ” في اللص والكلاب”. أما الكلاب عند هشام العسري هي ليست إلا دلالة على وجهين: وجه كلاب الشوارع التائهة الضائعة الباحثة عن الوهم، ووجه كلاب مسعورة، متهيجة ومخيفة.

إنها قراءتي الخاصة لفيلم” هم الكلاب”، وهناك قراءات أخرى، لأن هذا الفيلم يبقى عبر الزمن مفتوحا على قراءات متعددة.
ولمن لم يشاهد هذا الفيلم عليه أن يشاهده.