تحت القائمة

“امرأة في الظل” للروائي عبد الجليل الوزاني التهامي رسالة طويلة إلى طيف

قراءة : يوسف خليل السباعي/ تطواني

من سيقرأ بشكل جديد رواية ” امرأة في الظل أو مالم نعرف عن زينب” للروائي عبد الجليل الوزاني التهامي؟ وكما هو معروف فإن هذه الرواية الحائزة على جائزة كتارا للرواية العربية 2015، قد قرأت نقديا وتحليليا بهذه الصورة أو تلك، بهذه المنهجية أو تلك، انطلاقا من إواليات ما، وكل قراءة لهذه الرواية لها خصوصيتها، بل وفرادتها، لأن هذه الرواية تظل مفتوحة على قراءات متعددة، بل إن الرواية كما يقول أمبرتو إيكو هي آلة مولدة للتأويلات، وكل واحد يقرأها من منظور ما، فيكون وجهة نظر عنها، أو نظرة، أو انطباع، أو إحساس، أو يلمس فيها وقائع صادفها أو عاشها، أو غير ذلك.

الرواية هي في جواهرها، خطاب مجتمع. وهذا الخطاب لايتسع إلا عبر تركيبه داخل نوع أدبي ( سأقول لماذا النوع الأدبي فيما بعد) ولكن ألاتصدر الرواية عن فكرة أو صورة أو حلم أو شيء ما ينزل علينا كما هو حال تفاحة نيوتن، لم يكن في الحسبان)؟ إلا أن الروائي حالم، ولكنه ضابط لتقنيته في الكتابة الروائية، إنه لايكتب كيفما اتفق، ولا يكتب بشكل اعتباطي أو عشوائي. إنه يقف إزاء الورقة البيضاء (أو الأوراق البيضاء) أو الحاسوب… مثل شخص يصلي. إن الكتابة كالصلاة ( في معناها العميق)، وليست كالنقيق. إنها تستوجب خشوعا ما. وهذا الخشوع هو ما نلمسه في رواية ” امرأة في الظل…” للروائي عبد الجليل الوزاني التهامي.

إن الرواية مقطعة ومقسمة في أبوابها إلى 40 بابا وكل باب برقم. ولكنها مكتوبة في نفس سردي محزن وبعيد الغور وإن كانت تشوبه بعض اللمسات الفكاهية ( مقطع الجيران). فالساردة هي زينب المحبة والمخلصة لجمال الأحمدي الذي حملت منه بعد ليلة غرامية وولدت ابنا من صلبه سمته جمال على إسمه والتي تكتب أوراقا – عبارة عن رسالة طويلة- تفصح فيها عن كل الوقائع التي حدثت لها وعاشتها ومعاناتها، وما جرى لها في تارغة وتطوان وعملها بالديوانة في سبتة، كما تروي الساردة عن خالتها أم كلثوم وجيرانها وابنها يوسف ونجية ووالدتها ووالدها وأخويها السعيد والهاشمي، كما تلمح لبعض الأحداث في الثمانينات والتسعينات، مثل أحداث 1984، والمخدرات، وحملة التطهير، وقضية التفجيرات الإرهابية بالدار البيضاء وانعكاساتها، وأسامة بن لادن؛ ثم، هناك في الرواية تفصيلات كثيرة، تستوجب بحثا أعمق فيها، لأن هذه الرواية أضحت اليوم، في نظرنا، أثرا مفتوحا ينبغي الحفر فيه، ومعرفة لغزه، ذلك أن الرواية وإن كانت خطابا لمجتمع فهي تخفي لغزها، وليس سرها، لأن زينب تقول السر كأي امرأة، وليس اللغز الذي يظل مجهولا. والحقيقة، أن الرواية تستتبع علاماتها المكونة من الدوال والمدلولات، لأن الروائي عبد الجليل الوزاني التهامي روائي ذكي، يتركنا مع هذا النوع الأدبي ” الرسائلية” ، وهذا الاختيار النوعي هو الذي يسمح بتدفق الأفكار والمشاعر ويحدد الوقائع والأفعال، ويختفي، وكأنه يقول لنا: هذا الوجه هنا هو شبحي، وبالفعل إن الروائي يضع شحمه ولحمه ودمه وعصابه في مالاتفصح عنه الرواية، في ما وراء الرواية: إنه وجه الكاتب.

إن هذا الوجه هو العابر للكلمات والجمل كشبح، الذي منه يستمد الروائي ثقافته ومعرفته، والذي يحضر عبر اللاوعي… ولايتعلق الأمر هنا إلا بقراءاته. إن ” امرأة في الظل…” آتية من ما يرى ويسمع ومن القراءة الوزانية إذا صح التعبير.

هذا مايبحث عنه القارئ وقد يدرك أبعاده أولا يدرك ذلك.
بطبيعة الحال قرأت ” أسباب التنزيل” بسرعة خاطفة، وشرعت مباشرة في قراءة الرواية بعدما كنت قرأتها في الماضي حتى لاتشوش علي تلك الأسباب في الوقوف عند الرواية في عذريتها، لأنني أفهم الرواية من نهايتها ثم أعود إلى بدايتها. هكذا بالقفز والوثب ( ولو أنني قرأت الرواية مرتين) أستطيع القبض على مفتاحها، ولو أن الرواية تسلم لك المفتاح وعليك أن تبحث عن القفل.
في نهاية رواية ” امرأة في الظل…” نقرأ:” ولكنني أيضا قررت أن أحملك المسؤولية كاملة من خلال كتابة هذه الأوراق… وإذا ما توصلت بها فاعلم أنني قد فارقت الحياة، وأن زينب، وهي تسلم الروح لباريها، توصيك بولدها وقلبها مفعم بمحبتك…” الرسالة تنتهي هنا. فزينب أصابها داء لعين ( لاتفصح عنه الساردة، ولكنه داء سرطان الثدي)، إلا أن السؤال هو: من يتكلم هنا الساردة أم الكاتب؟ إنه حفيف الأوراق- الكتابة. فالأوراق يمكن أن نحتفظ بها أو نمزقها، وقد تصل أولاتصل، كم من رسائل لم تصل. لاينسى القارئ أننا في فترة الثمانينات والتسعينات ومن عاش في هذه المرحلة يعرف أن الرسائل كانت تكتب بخط اليد.

إن جمال الأحمدي الأب الذي لايعرف أن له ابن، سيغدو كاتبا روائيا هو ذاته جمال الإبن. إن الروائي عبد الجليل الوزاني التهامي يلعب هنا على المرآة، إن حب زينب هو حب انعكاسي، مزدوج، فهي عائشة في معاناة ولكنها تحب جمال الذي حملت منه وتحب ابنها الذي كافحت من أجله، وإذ تموت الأم بالداء اللعين ليس لها إلا أن تترك وصيتها، فتغدو الوصية مرصودة لمصير الإبن في حال توصل الأب بالأوراق المكتوبة كرسالة طويلة وضمن نوع أدبي هو الرسائلية ( التي هي من صلب الأدب). إن الأم تفارق الحياة لتمنحها للإبن.

إن رسالة زينب الطويلة لاتتوجه إلى جمال الأحمدي وحده، بل تتوجه إلينا نحن كقراء. إن هناك رسالة لجمال تعيينيا، ولكنها موجهة إلى من سيقرأ الرواية تضمينيا. هذه هي لعبية الرسائلية (فزينب هي مروي لها أيضا)، إنها لعبية لغوية تكشف لنا هذا الشقاء الإنساني كما هو الحال في الروايات الكلاسيكية وغيرها، وفي مسرح بريخت تحديدا، ولكنها في نفس الوقت تضع أصابعها على جراحنا، وأن كل واحد منا مسؤول عن ما أصاب زينب من معاناة حتى هي ذاتها التي تسببت فيها حينما هربت وقيل إنها انتحرت وقبلت بذلك. إن هذا الهروب والتخفي وعدم المواجهة هو ماجعل منها امرأة سلبية… امرأة في الظل.

وفي مقابل الظل هناك الطيف. إن الطيف هو أشبه بالسراب أو الشبح أو المجهول، ذلك الذي لايمكن المسك به. إنه الرواية ذاتها. فليس جمال الأحمدي إلا طيف الكاتب. إنه لم يستطع التخلص منه، وحتى بعض النقاد أصدقاؤه يلحون عليه أن يعود. ( هنا مأزق الكاتب مع الشخصية!). إنه تلك الطبقة العميقة من النفس، بل ومن الذات بمعناها الفلسفي. فلولا جمال الأحمدي لما وجدت زينب ولا وجدت الرواية.

نقرأ في بداية الرواية:” لا يوجد بالمكان سوانا.. أنا وطيفك.. وسرب من طيور النوارس التي تزخرف ببياضها الشاطئ الرملي والصخور المجاورة كعادتها”.

إذا كانت بداية الرواية تتسم بالحركة والسكون والرغبة، فإن نهايتها تظل معلمة بالسكون، وفي ظل ذلك يظل السؤال حول مصير جمال الثاني الذي تعرف على حقيقة أبيه جمال الأحمدي، إلا أن النهاية بالرغم من سكونها طرحت أكثر من سؤال حول التسامح والمحبة والإخلاص والمصير كقيم روحية. وفي اعتقادي أن هذه القيم الروحية والإنسانية في الرواية هي التي منحتها الجائزة المذكورة، مهما يكن من كونها رواية محزنة.