تحت القائمة

قصة السبت .. الهراوة

يوسف خليل السباعي/ تطواني

– هل كان عليهما أن يحملا تلك الهراواة؟ فالهراوة لم تصنع إلا لكي يضرب بها البوليس- تلك الكلمة التي لها دلالة قمعية ونظامية- وماذا لو سال الدم؟
كان وليد يسأل نفسه مثلما يفعل وهو وحيد في منزل خالته خديجة. إنه يتيم. هذا ما يعرفه عنه سكان الحي القديم ( أي حي قديم هناك العديد من الأحياء القديمة في المغرب).
بعناد، سأسميه الحي القديم، وبلاعنوان، لأن هذه القصة القصيرة رواها لي وليد وعنوانها الهراوة وما وقع وقع في الحي القديم. والقصة الأولى قديمة جدا.
أين سال الدم؟
دعني أروي لك- لكم. قليل من الصبر هو ما أطلبه منك.
لا أحب الطلب.
لنبدأ، إذن.
ماذا؟ لم تبدأ بعد؟
سأبدأ حالا.
يروى أنه في زمن قديم، كان هناك ملك يبدو من جبهته العريضة وعيونه البراقة وأنفه الطويل وفمه الغليظ ذي الشفتين المفلوحتين، وشعره الأسود الحريري السابح على ظهره مثل شعر حصان أسود.
لم تصف لنا ما يوجد تحت سرواله؟!
لا شيء!
متأكد… لا شيء.
لا شيء.
ليس له عضو…
لا…
لن يكون إنسانا.
لا… هو إنسان ولكنه ينتمي لنوع آخر.
أي نوع؟
لا أدري…
أصمت… دعني…
ضحك الجميع.
الجميع يضحك!
رحت جمعت حطبا، وأشعلت فيها النار فأضاءت السماء التي تحولت إلى ستار أحمر… وكانت النار تحمي المستمعين من البرد، فيحلو لهم الاستماع ويتمتعون ويستأنسون بما أرويه.
نسيت أن تقول لنا في أي مكان وزمان وقع ذلك.
في زمن قديم جدا. أما المكان ففي قصر الملك.
كان للملك….
ما إسمه؟
لا إسم له… هل ستتركني أكمل القصة القصيرة أم لا.
أكمل… أكمل.
ضحك الجميع.
الجميع يضحك.
كانت للملك بنت حسناء. أميرة رقيقة الأحاسيس. دقيقة الملاحظة، وهبها الله عيونا فاتنة ساحرة وخالبة، عيونا زرقاء.
عيونا زرقاء.
أجل… كانت كلما نظرت إلى رجل انحنى أمامها لدرجة أنه لايستطيع أن ينظر إلى عيونها.
عقد الملك جلسة عامة استدعى إليها وزيره المقدس أربعة رجال من الحي القديم وأخبرهم بأمر الملك.
وكان ذلك: أن من سينظر إلى عيون ابنته الزرقاء دون أن ينحني سيزوجه بها.
نظر الرجل الأول فأصابه بريق عينيها، فانحنى. ونظر الرجل الثاني كذلك، فلم يقدر… وانحنى. وتقدم الرجل الثالث وكان جميل المنظر وقوي البنية، فنظر إلى عيونها، وبقي واقفا مركزا نظره إلى عيونها ولم ينحني، نظر إليه الوزير المقدس نظرة عابسة، فيما ضحك الملك بصوت مرتفع، وقال في سره: واحد من الحي القديم يتحدانا. حسن، سننظر في أمره.
وفي طرفة عين، أمر الملك الرجل الرابع بأن يتقدم، وكان رجلا قصيرة القامة، يرتدي زيا باليا وقديما، ويتبدى من ملامحه شحوب ما وأثار جرح على خده الأيمن.
قال الملك للوزير المقدس:
من أدخل هذا القذر إلى قصري؟
القدر ياسيدي.
لم أفهم.
ذاك حظه اليوم ياسيدي.
وهل هذا القزم قادر على أن يغلب هذا الثور؟
لا أدري، ولكن دعنا نتفرج…
ها ها ها ها لنتسلى ونستمتع إذن… أنا الملك.
ليرعاك الله سيدي ويحفظ لك الأمير الحسناء المحبوبة.
نظرت الأميرة الحسناء إلى القزم مركزة عيونها الزرقاء في عيونه وإذا بها تشعر بدوار ويغمى عليها فتتهاوى كورقة على البساط الملكي الأرضي.
وظلت مغمى عليها وكأنها الأميرة النائمة… وبعد حين، تبدأ المعركة.
أي معركة؟
انتظر…
دعني أكمل… أكمل…
أكمل… أكمل…
ضحك الجميع.
الجميع يضحك!
أحضر الوزير المقدس هراوتين، وأعطاهما للملك.
ناد الملك على الرجل الثالث وأعطاه هراوة، وناد على الرجل الرابع وأعطاه هراوة… وأمرهم بالاقتتال.
كانت النار على وشك أن تنطفئ، فنهضت وجلبت حطبا و أطعمتها فاشتعلت وأضاءت السماء التي تحولت إلى ستار أحمر.
هوى الرجل الثالث بضربة من هراوته على رأس الرجل الرابع فهرب، وإذا به يسقط…
ضحك الجميع.
الجميع يضحك.
الرجل الرابع القزم بذكائه، وفي غفلة من الثور، صعد على كتفه ونزل على الرجل الثالث بضربة من هراوته على رأسه مباشرة فانفتح إلى نصفين وسال دم غزير منه.
استغرب الملك، وقال للوزير المقدس:
ابنتي الأميرة الحسناء تتزوج بهذا القزم القبيح القذر.
لاتخف أيها الملك العظيم. سأزج به في السجن بمحاكمة (وهمية) بتهمة القتل، ولن يتزوجها إطلاقا.
ضحك الملك.
ضحك الجميع.
الجميع يضحك!
وفي ذلك الوقت، الذي كان الملك فيه يضحك، و هو يتحدث مع الوزير المقدس، دخل البوليس.
صحح، الجند.
قلت لك دخل البوليس.
وأنا أقول لك الجند.
وعلى ضوء النار المشتعلة من الحطب التي أضاءت السماء بستار أحمر نهضت متجها إلى الحطب، كانت قربه هراوة تلمع لا أدري من أتى بها إلى هناك، أمسكتها بيدي اليمنى بقوة وضربت بها رأس المستمع المزعج فانشطرت إلى شطرين، فسال دم غزير.
فر الجميع… ولم يعد أحد يضحك… وجلست وحيدا أنتظر أمام رأس المستمع المزعج المنشطر… أن يأتي البوليس.

□ اللوحة للفنان غويا