في الحقيقة لايمكن الجزم بأن عبد الله العروي كتب أن لغة نجيب محفوظ ” ضعيفة!”، فعبد الله العروي الذي كتب روايات، ومنها رواية ” الفريق” الذي أنجز بحثا عنها في الأدب العربي وحصلت من خلالها على الإجازة في الأدب العربي في سنة 1988 من كلية الآداب والعلوم الإنسانية بمرتيل/ تطوان التابعة لجامعة عبد المالك السعدي، وإذا حسبت السنوات بالعد أجدها 36 سنة، وهذا أمر ليس بقصير، وإنما هو يستغرق زمنا طويلا. وإذا كنت أنا قرأت روايات نجيب محفوظ بدءا من “خان الخليلي”، وأنا في سن خمس سنوات وأنا مازلت أقرؤها حتى الآن، ماذا يمكن أن يقول عبد الله العروي في هذا الشأن. إنني لا أعرف متى بدأ عبد الله العروي يقرأ الروايات؟ ومتى، وفي أي وقت، بدأ كتابة الروايات، لأنه رجل الأفكار والأبحاث والدراسات، رجل ” التاريخانية” المتجاوزة الآن” ولم يكتب الرواية إلا في سنوات السبعينات وعلى أكبر تقدير الثمانينات، أيام ما كان يكتبها أحمد المديني ومحمد عز الدين التازي وربما الميلودي شغموم وآخرون…. في حين أن نجيب محفوظ كتب مقالات وصدرت له ترجمة لكتاب ” مصر القديمة” سنة 1932، وتلتها مجموعة قصصية بعنوان ” همس الجنون” سنة 1938 وظل يكتب وينشر الروايات والمجموعات القصصية حتى 2004، وذلك بختم هذه السنين من البحث والكتابة ب” أحلام فترة النقاهة” و”الأحلام الأخيرة” التي عثرت على مخطوطاتها ابنته.
لقد كُتبت كتب ومقالات وأبحاث ودراسات غزيرة عن نجيب محفوظ وخُصصت له أعداد خاصة، ومنها بعض أعداد” أخبار الأدب”، وحصل هذا الكاتب المحترم عل جائزة نوبل في الأدب في سنة 1988، عن أعماله الثلاثية: بين القصرين، قصر الشوق والسكرية، وثرثرة فوق النيل، ودنيا الله وتم التنويه بعمله الروائي الخصب ” أولاد حارتنا”.
لايمكن بتاتا القول بأن ” لغة نجيب محفوظ ضعيفة” حتى وإن قالها أو سطرها عبد الله العروي، لأن هذا الأخير ( أي العروي) يبحث عن (العقدة) في الروايات مثلما هو الحال بالنسبة ل(” العقدة”) في روايات دوستويفسكي أو تولستوي أو توماس مان، بمعنى أنه يقوم بإسقاط شرحي نهائي ومطلق للرواية، التي لايمكن أن تفهم إلا في بنائها وعلاماتها، وليس في كليتها، أو شموليتها، فليس هناك رواية مطلقة. لايمكن جمع روايات وقصص نجيب محفوظ والحكم عليها أوذبحها بسكين، وهذا خطأ وقع فيه عبد الله العروي، وهو خطأ تصنيفي. هل يمكن أن تصنف روايات وقصص نجيب محفوظ ويتحدث بشأنها بعضهم بأنها روايات تتحدث عن البرجوازية الصغيرة؟ هل عرف العرب مايسمى تاريخيا بالبرجوازية الصغيرة أو البرجوازية أو الأرستقراطية. هذا ما يسمى بالإسقاط الشرحي والتفسيري انطلاقا من التأثير التاريخاني، وهو أمر غير مقبول في ظل التغيرات والتحولات التي عرفتها وتعرفها المجتمعات العربية التي عاشت سنوات الاستعمار ومابعده والدخول في ثورات وانتكاسات وتمزقات وصراعات، في غياب أي تقدم إلا على المستوى الشكلي الاتباعي.
إذا أراد أحد أن يتكلم عن “لغة” نجيب محفوظ القوية، فإنه لايمكن أن يتكلم عنها إلا في مضمار المرجع، كلغة عربية متينة، ولكنها صعبة على من لم يحيا في المراحل العمرية والزمانية والمكانية المتحولة التي عاش فيها نجيب محفوظ، وكذلك هي منتوج قراءاته المتنوعة والمتعددة والمختلفة من الغرب والشرق.
إنني، وبكل صراحة، أرى أن روايات وقصص نجيب محفوظ لايمكن أن تفهم بقدر المستطاع إلا من خلال أسلوبه، ذلك الأسلوب ( ولو أن هناك من يتحدث عن أساليب، وربما يقصد بها طرائق) الذي هو الكتابة التي هي ممارسة وإنتاج كما يحددها رولان بارت، حيث يرى القارئ جسم الكاتب، لحمه وشحمه ونظره إلى الذات والعالم في سيرورته وصيرورته.
إن أي رواية مثل القمر، قد يظهر لنا أحيانا نصفه ويخفي عنا نصفه الآخر. ذلك النصف الآخر الذي لم يكتمل هو ما ينبغي البحث عنه. أين/ و/ كيف اختفى؟ وهذا ما يصعب الوصول إليه. فكل تأويل، هو نسبي.
إن استيتقية نجيب محفوظ ليست في المشاهد أو المناظر، كما يقول البعض، وإنما في اللغة المنتقاة بعناية ودقة وصلابة وصرامة، وفي أسلوبه الدفاق النخلي(من النخليات)، والغزير كالنثار، والذي يستوجب الصبر.
أقرأ في صفحة 57 من (مجموعته القصصية) ” أصداء السيرة الذاتية”:
الريح تفعل ماتشاء
قد ضجرت الساعة من دقة عقاربى في الزمان الأول.
وعقدت حبال العزيمة حول ذراع الأمان ونمت.
ولكن حملتني ريح الغربة فوق السحاب صادعة بأمر المجهول.
لم يكن في نيتى ما أفعل ولافعلت ماكنت نويت. وأيقظنى رفيقي
الرقيق من غفوتى قائلا:” غدا نسفك الدماء”.
فقلت مشهدا الكون على استسلامى المطلق ” لتكن مشيئة الله”.
ماذا نقول عن هذا الجنس الأدبي من الكتابة هل هو قصة قصيرة جدا أم كتابة شذرية، أم أنها حلم من أحلام نجيب محفوظ التي ستبدأ في شذراتها في كتابات نجيب محفوظ السابقة، وفي ” أصداء السيرة الذاتية” وتنتهي في ” أحلام فترة النقاهة” و” الأحلام الأخيرة”؟
هل هو كاتب التكرار؟ ليس المقصود التكرار والاجترار على مستوى الموضوعات التي هي معروفة، وإنما هذا التكرار الذي تتحول فيه الجملة عند نجيب محفوظ. ذلك الذي نجده عند بعض [الكتاب الكبار].
إن سحر كتابة نجيب محفوظ في الجمل التي يكتبها بدقة وفي الزمن.
إن الكتابة هي فن تحطيم الحواجز كما كتب ذات يوم ميشيل بوتور، وهذا يوجد في كتابة نجيب محفوظ.
