أن تعرف أن أحدًا لا يكتب للآخر، وأن تعرف أن هذه الأشياء التي سأكتبها لن تجعلني أبدًا أحب من أحبه، وأعرف أن الكتابة لا تعوض عن أي شيء، ولا تسامي أي شيء، هو بالضبط المكان الذي لا تكون فيه – هذه بداية الكتابة… رولان بارت
●أنطونيو
لايتفاجأ أحد لأني سأروي لكم قصة أنطونيو. الحقيقة أن كل واحد منا كانت له حياته التي عاشها إلا أن أنطونيو مات وترك أمه نعيمة تذرف الدموع عليه. مات أنطونيو في سن الثلاثين. كان شابا لطيفا، لايتحمل أي لغة أخرى سوى الإسبانية. ذلك أن ماعرفته عنه من نعيمة هو أن أنطونيو كانت له الأم الأصلية ماريا والأم المربية نعيمة. وفي يوم ربيعي خرج أنطونيو من منزله وكان عمره آنذاك عشرين عاما، لم يجد أمامه من متنفس سوى مارينا. لم يغفل أن يخرج معه دراجته الهوائية، فهو يعشق الدراجات الهوائية كما يعشق مارينا الساحة الشاسعة المليئة بالأشجار والمقاعد الحديدية مارينا القريبة بمسافة تقدر بعدد حبات الرمل من الميناء، ويوجد بها مطعم وفي كل سنة صيفا يختارها السبتيون معرضا للملاهي والاحتفالات والمأكولات الشهية والألعاب. لم يصدق أنطونيو أنه سيلتقي بنعيمة. آخر مرة رآها كانت قبل عشر سنوات وكلما التقى بها إلا وسارع لعناقها بحرارة كما يعانق الطفل أمه، مع أن نعيمة لم تكن أمه الحقيقية، ولكنها ربته منذ أن خرج من جوف أمه ماريا. كانت هي التي تؤكله وترعاه وتسهر على راحته كأنها تعرف كل شيء عنه، إلا أن نعيمة لم تفكر في أنها ستغادر هذا المنزل في يوم من الأيام وربما، فكرت في ذلك إلا أنها لم تصرح به لأحد وحتى إن سألها أحد اليوم عن أنطونيو ستبتسم وستذرف دمعة حارة عليه، لأنه هو من كان يجعلها تشعر بالسعادة. لقد كان عصفورها الوحيد الذي حتى وإن غاب عن عيونها يعود إلى عشها.
ولعلني عرفت أمرها لأني كنت جارها في كاستييخوس، وهي المدينة التي يسمونها بالفنيدق وهي مدينة مجاورة لسبتة وعلى حدودها. سبتة، التي رآها سارد الميلودي شغموم في روايته ” سرقسطة” كعش طير وهي لمن عرفها- أو يعرفها ولايعرفها كذلك، وأمر نعيمة لايدرك بتمامه لأنها لاتكشف كل أسرارها لأي أحد فهي تعرف أنه لا يوجد أحد بريء لا أحد. ولكني لن أكشف أمرها الآن، لأن ليس هذا وقته ولن تكفي قصة قصيرة واحدة بل ينبغي أن تكون أكثر منها.
أمران كان يحبهما أنطونيو أمه الثانية نعيمة والدراجة الهوائية، وعلى الرغم من أن مدرسته برخينيا كانت تقول له:
– أنظر في عيني…نعيمة ليست أمك.
كان أنطونيو يرد عليها بغضب:
– لا…لا… هي أمي. أنت حمقاء.
شيء كان يستغرب له التلاميذ ويتساءلون كيف تكون نعيمة المغربية ابنة كاستييخوس أمه. وفي مرة، راحت برخينيا إلى مانويلا مديرة المدرسة غاضبة، لتطلب منها أن ترى حلا لهذه المعضلة. فحدثت نفسها:” فلا أحد يستطيع أن يخرج من دماغ أنطونيو أن أمه ليست هي نعيمة، ثم، أصبح يتخطى حدوده… فقد قال لها… ( سكتت)… هو يعرف أنها أمه الثانية التي ربته وأحبته، الشيء الذي لا يمكن أن يصدقه أحد أنه يناديها بأمه كما لو أن ماريا ابنة هذا التراب ليست أمه”.
قالت برخينيا للمديرة مانويلا:
– لا أقبل أبدا بهذا الوضع… من فضلك يجب وضع حد لهذا العبث. ومن الأفضل أن تستدعي ماريا.
– من فضلك برخينيا لاتتدخلي في عملي… المهم اطمئني… سأستدعيها… لا أقبل بأي فوضى في المدرسة.
– أجل، لابد من إيقاف هذه المهزلة…
– تقصدين هذا العبث.
– أجل… هذا ماقصدته!
– عودي برخينيا لعملك… سأهتم بأمر أنطونيو، ولكني لن أستدعي ماريا إلا بعد أن أستمع له.
وضعت برخينيا الرسالة على مكتب مانويلا وقالت بعصبية:
– اقرئي سيدتي هذه الرسالة.
شرعت مانويلا تقرأ:
(أمي الحبيبة نعيمة
أتمنى لك نهارا سعيدا.
البارحة فكرت فيك كثيرا. قلت في سري: هذه المرأة شجاعة يبدو من ملامحها أنها امرأة صبورة ومكافحة وأحبتني كثيرا. أعتبرها أمي… لا إنها أمي… ومهما فعلوا لن أتنازل… سأقول لهم إنها أمي.
هذا ما قلته لنفسي. فأنت الشمس التي تضيء حياتي. ربيتني، وترعرعت في حضنك وشممت رائحتك وقبلت وجنتيك. كنت طفلا لا أعرف ماريا التي يقولون إنها من ولدتني، ولكنني إلى هذه الساعة أرى عيونك تنظر إلي بحنو وأنت تحملنني. ولولا خوفك منهم لأرضعتني. إنك أمي… وأمي… ولن يستطيع أحد منهم لا سعيد ولا ماريا ولابرخينيا ولا مانويلا أن يجبرونني على قول شيء آخر. هؤلاء حمقى لايفهمون ماذا صنعت معي. أنت من أحببت لي الحياة. أنت الشمس… والآخرون القمر… أنت حياتي وبدونك لن أعرف كيف أعيش.
مع محبتي- ابنك أنطونيو).
نظرت مانويلا إلى وجه برخينيا مدهوشة كما لو أن قطعة لحم انتزعت منها. كانت ضربة قاضية جعلتها غير قادرة على التفكير، فتجمدت على كرسيها ولم تعد قادرة على الكلام، ثم بدأت تشير بأصابعه إلى برخينيا طالبة منها أن تخرج من المكتب وتتركها وحدها.
كانت رسالة أنطونيو ( ولو أنه ليس ابنها وإنما كما تظن ابن ماريا وسعيد، لكن لا أحد يعرف الحقيقة، إلا سعيد وماريا ونعيمة. أما أنطونيو لايعرف شيئا آخر سوى أنه فتح عينيه على وجه نعيمة) مثل عاصفة شديدة الخطورة قد تدمر كل شيء.
بقيت مانويلا لساعات قافلة عليها المكتب وهي تنظر لتمثال كلب وسكين ذهبي، ثم حركت الرسالة وبعض الملفات من على المكتب ونظرت إلى الباب والكنبة السوداء وبعض لوحات غويا المعلقة على حيطان المكتب فأحست بالعطش. نهضت وفتحت الثلاجة الصغيرة شربت من قارورة الماء السبتية وأعادتها إليها… ثم عادت إلى المكتب وفتحت الدرج… فتشت لبضع ثواني وسط الملفات وبعض الأغراض الخاصة بها، ثم، وضعت يدها على مسدس… وكما يحدث في أفلام السينما وجهت المسدس صوب الباب، لكنها لم تستخدمه.
في هذا الوقت، دخل أنطونيو إلى مكتب مانويلا ولم ينبس، فحدجته بنظرة غاضبة وقالت:
– لا أحب أن يحدث شيء كهذا في مدرستي. أنت تعرف أن نعيمة مغربية وأنت إسباني. ألا تعرف يا أنطونيو أن هناك معبر حدودي بيننا وبينهم وأنهم دائما يفكرون في العودة إلى سبتة. أرجو أن تكون رصينا وتفهم هذه الأمور. أنت واعي بها. أليس كذلك؟
قال أنطونيو في سره:
– ماذا تقول هذه الحمقاء؟ ربما تعتبر نفسها رئيسة الوزراء. ونحن ليس لدينا امرأة رئيسة وزراء. ربما تعتبر نفسها الملك.
وبعد هنيهة، قال أنطونيو وهو يحدجها بنظرة غاضبة:
– نعيمة أمي حتى لو نزل القمر وركع لي… واستحلفني أن أنكر أنها أمي وأعترف بماريا أمي لن أقبل بذلك… لن أوافق.
بحركة عصبية وحمقاء، أمسكت مانويلا المسدس وكادت أن تطلق رصاصة على أنطونيو… إلا أنه اختفى كملاك.
وشرعت تصرخ:
أخرج ياكلب… أخرج ياكلب… ياابن الكلب. ثم، خارت قواها وسقطت على المكتب.
انتشر خبر وفاة مانويلا في سبتة وخارجها كالنار في الهشيم بعد أن نشرته جريدة إلفارو دي سوتا، وكتبت الصحفية إيزابيل أن مانويلا بعد نقلها في سيارة الإسعاف إلى المستشفى السبتاوي ماتت في الطريق على الرغم من الإسعافات الأولية التي قام بها المسعفون. وقد وصل الخبر إلى ماريا وسعيد ونعيمة، كما علم أنطونيو به، إلا أنه ظل هادئا وساكنا لاينبس ببنت شفة.
● نعيمة
بعد خمسة عشر عاما وهي في منزلها بكاستييخوس ستتلقى نعيمة خبر مقتل أنطونيو عن طريق أحد الجيران، وكان إسمه يونس:
– هل قرأت الخبر؟
– لا، ليس بعد!
كان يونس يتابع من كاستييخوس الأخبار التي تنقلها جريدة وموقع إلفارو دي سوتا. قرأ أن سيارة كان سائقها الإسباني سكرانا، لم يشاهد جيدا دراجة أنطونيو الهوائية، حيث كان يقوم بحركات انقلابية وبهلوانية، واحتجاجية، فصدمه وعندما سقط على الأرض نزف دما غزيرا من رأسه، فمات في الحين.
صرخت نعيمة صرخة ارتجت لها جدران الإقامة والمنزل:
– ولدي أنطونيو… عزيزي وحبيبي… ياربي مات ولدي.
لم يكن أحد قادر على أن ينسي نعيمة أن أنطونيو ابنها مثلما لم يكن أحد قادر على أن ينسي أنطونيو أن نعيمة أمه.
ظل سعيد حزينا، لأنه فقد ابنه أنطونيو، وظلت ماريا تبكي على خسارتها، وظل كبد نعيمة محروقا على أنطونيو على الرغم من طردها من العمل بمنزل سعيد وماريا بسبتة بتحريض وحقد وخبث ودسيسة من المدرسة برخينيا .
عندما كانت نعيمة تذهب إلى مارينا في الأيام الماضية كانت ترى أنطونيو بدراجته الهوائية يلعب أمامها. كان يأتي عندها فتعانقه بحرارة كما لو أنها تعانق شمسا غائبة.
كانت أيامهما في مارينا شاهدة على حب بريء بين أم وابنها والذي لم يكن في الحقيقة من صلبها!
